تعريب مقررات كليات الطب البشري والصيدلة بجامعة الأزهر
**صراع الهوية والعلم: تعريب الطب بالأزهر بين الحنين للماضي وتحديات المستقبل**
عندما تستيقظ اللغة العربية في مختبرات الطب، تتحول الأحلام التراثية إلى معركة واقعية بين هوية ثقافية تتوق للانبعاث، وواقع علمي يفرض لغته الإنجليزية. في ديسمبر 2024، أعلن رئيس جامعة الأزهر، الدكتور سلامة داود، عن تشكيل لجنة لدراسة تعريب مناهج كليات الطب والصيدلة والهندسة، مستحضرًا أمجاد علماء مثل ابن سينا والرازي الذين أسسوا علومهم بالعربية قبل قرون. لكن القرار سرعان ما تحول إلى إعصار من الأسئلة: هل اللغة العربية قادرة على حمل عبء العلوم الحديثة؟ أم أن التعريب قد يصبح حاجزًا بين الطالب والعالم؟
**من ابن سينا إلى "ستيرنوم": رحلة المصطلحات بين الماضي والحاضر**
يدفع المؤيدون للتعريب بحجج ثلاث: التسهيل على الطلاب، وتعزيز الهوية الثقافية، وجذب المزيد من الطلبة. الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، يرى أن "اللغة الإنجليزية تشكل عائقًا للطلاب من القرى والمناطق النائية، حيث تفتقر المدارس إلى بنية تحتية لغوية قوية". ويضيف: "عندما يدرس الطالب التشريح بلغته الأم، سيفهم العلاقة بين العظام والأعضاء
لكن النقاد يشيرون إلى مفارقة تاريخية: المصطلحات الطبية مثل "Sternum" (عظمة القص) ليست إنجليزية في الأصل، بل لاتينية ويونانية. الدكتور محمد القصاص، أستاذ الكبد بجامعة حلوان، يوضح: "المشكلة ليست في الترجمة، بل في إنتاج العلم نفسه. كيف نترجم ما لا ننتج؟". هنا تتحول القضية من نقاش لغوي إلى سؤال عن القدرة على بناء منظومة علمية عربية مستقلة.
**الخريجون بين مؤتمرات لندن ومستشفيات الصعيد: مخاوف العزلة العلمية**
في غرفة عمليات بإحدى مستشفيات القاهرة، يحكي الدكتور سيد بركات، استشاري الأمراض الصدرية، عن تجربة مريرة: "شاركت في مؤتمر دولي بلندن، واكتشفت أن مصطلحات التشخيص التي تعلمتها بالعربية في الجامعة لم تعد تُستخدم عالميًا. شعرت كأنني في متحف للعلوم!". هذه القصة تختزل أحد أكبر مخاوف المعارضين: **فقدان التواصل مع الأبحاث العالمية**، حيث تُنشر 90% من الأوراق العلمية الطبية بالإنجليزية، وفقًا لمجلة "نيتشر" الطبية.
التجربة السورية تطفو على السطح كإنذار. ففي الثمانينيات، حاولت سوريا تعريب مناهج الطب، لكن النتيجة –كما يروي نقيب
**اليابان تتحدث اليابانية.. فلماذا لا ندرس الطب بالعربية؟**
يقف المؤيدون أمام نموذجين: اليابان التي تدرس الطب بلغتها رغم تقدمها العلمي، وإسرائيل التي أعادت إحياء العبرية الميتة لتصبح لغة للعلوم. الدكتور أحمد زارع، المستشار الإعلامي لجامعة الأزهر، يستشهد بهذه الأمثلة قائلًا: "التعليم باللغة الأم لا يعيق التقدم إذا صاحبه استثمار في البحث العلمي". لكن الدكتور جمال عميرة، وكيل نقابة الأطباء، يردّ: "الفارق أن تلك الدول تُنتج المعرفة، بينما نحن نستوردها. كيف نعرب الطب ونرسل بعثاتنا لدراسته في الخارج بالإنجليزية؟".
الحل الوسط يلوح في الأفق: كتب دراسية ذات عمودين (عربي وإنجليزي) كما يقترح مجمع اللغة العربية، أو تعريب تدريجي يبدأ بملخصات المواد الأساسية. الدكتور عبد الناصر سنجاب، عضو نقابة الصيادلة، يحذر: "التعريب الكامل سيتطلب ترجمة 30
**اللغة مرآة القوة العلمية: هل نختار العربية أم نخلط بينها وبين الإنجليزية؟**
في ختام الجدل، يبقى السؤال الأعمق: هل اللغة وعاءٌ فارغٌ نملؤه بأي محتوى، أم أنها مرآة لقوة المجتمع العلمي؟ التاريخ يُجيب: عندما كانت العربية لغة العلم العالمية في العصر العباسي، كان العلماء المسلمون ينتجون المعرفة ويصوغون مصطلحاتهم الخاصة. اليوم، يعترف الدكتور رضا رشدي، أستاذ الطب النفسي، بأن "التعريب الحقيقي يبدأ بالمختبرات، لا بالمناهج. لو خصصنا 1% من ميزانية البحث العلمي للترجمة الدقيقة، لتحولت العربية إلى جسرٍ للعلم".
ربما تكون الإجابة في تجربة طالب الطب أحمد، ابن محافظة أسيوط، الذي يقول: "أحلم بدراسة الطب بلغتي، لكنني أخشى ألا أفهم محاضرة في هارفارد إذا مرضتْ ابنتي مستقبلًا". هذان الحلمان المتصارعان –الهوية والانفتاح– يختصران معضلة جيلٍ كامل. فالعلم لا يعترف بالحدود اللغوية، لكنه يحتاج إلى لغةٍ تحمله دون أن تحبسه. فهل نستطيع أن نكتب مستقبل الطب بحروف عربية؟ الإجابة لن تأتي من قرارات الجامعات، بل من مختبرات