المخرج المصري مراد مصطفى يشارك في مهرجان كان السينمائي

لمحة نيوز

مراد مصطفى يحلق بالسينما المصرية إلى كان عائشة تطير رغم أنف الجاذبية!
في وقت اعتقد فيه البعض أن السينما المصرية المستقلة تعيش سباتها الطويل خرج علينا المخرج الشاب مراد مصطفى من قلب القاهرة الصاخبة حاملا معه حلما لا يعترف بالحدود ولا بقوانين الجاذبية الأرضية! وها هو يحقق قفزة فنية مبهرة بمشاركته في الدورة ال من مهرجان كان السينمائي الدولي عبر فيلمه الروائي الطويل الأول عائشة لا تستطيع الطيران ضمن قسم نظرة ما المرموق.
وبينما كانت أسماء كبيرة تنتظر الضوء الأخضر لدخول هذا المحفل العالمي قفز مراد بخفة وكأنما وجد مصعدا سريا يؤدي إلى منصة كان لا بالدعاية ولا بالتلميع الإعلامي بل بحكاية بسيطة وحقيقية تشبه حكايات الشارع المصري.
عائشة لا تستطيع الطيران... ولكنها فعلا طارت!
الفيلم يحكي عن عائشة مهاجرة إفريقية في السادسة والعشرين من عمرها تعيش حياة مرهقة في حي عين شمس الشعبي بالقاهرة. تعمل في مجال رعاية المسنين مهنة شاقة جسديا ونفسيا ولكنها تجد في تفاصيل يومها القاسي قوة غريبة على البقاء.
ورغم عنوان الفيلم الذي يوحي بالعجز إلا أن عائشة ومراد مصطفى معها أثبتت للجميع أن الطيران ممكن ولو على أجنحة الحلم والإصرار لا أجنحة الحديد والمطاط! فها هو الفيلم يطير إلى مهرجان كان ويقف جنبا إلى جنب مع أفضل الأعمال السينمائية الجديدة في العالم.
بأسلوب واقعي غير متكلف يصور مصطفى المعاناة اليومية للمهاجرين الأفارقة دون أن يغرق في الميلودراما

ودون أن يضع بطله في قالب الضحية النمطية. بل نجد عائشة امرأة قوية تعرف كيف تقاتل في صمت وتبتسم أحيانا في عز الأحزان وكأنها تقول للعالم أنا هنا ولن أختفي!
عودة مصرية إلى ساحة الكبار
لأول مرة منذ تسع سنوات تعود مصر بقوة إلى قسم نظرة ما وهو القسم الذي احتضن سابقا أعمالا لمخرجين أصبحوا اليوم نجوم السينما العالمية. وهنا لا بد أن نقر بأن عودة كهذه ليست مجرد مصادفة أو ضربة حظ بل هي نتيجة عمل دؤوب ورؤية جمالية أصيلة.
مراد مصطفى الذي كان قد تألق سابقا بفيلمه القصير عيسى وفاز بجائزة Rail dor في مهرجان كان 2023 يواصل تأكيد موهبته راسما لنفسه خطا فنيا يختلف عن السائد. إنه مخرج يفضل السير عكس التيار حاملا كاميرته كأنها سلاح يقتنص بها مشاهد الحياة اليومية من زوايا لا يراها الآخرون.
ولنكن صريحين السينما المصرية كانت بحاجة إلى هذه الصفعة الجميلة لتستفيق وتدرك أن العالم لا ينتظر الأفلام النمطية بل يبحث عن قصص نابضة بالحياة تخرج من الأزقة لا من استوديوهات مكيفة.
الواقعية الساحرة حينما تصنع البساطة المعجزات
لم يعتمد مراد مصطفى على مؤثرات خاصة أو خدع بصرية مبهرجة بل اعتمد على البساطة الكاميرا المحمولة الضوء الطبيعي الوجوه التي تحمل في تجاعيدها ألف حكاية. وكأن الفيلم كله دعوة إلى النظر عن قرب إلى من نراهم كل يوم ولا نراهم.
مشاهد الفيلم مليئة بلحظات صامتة تتحدث أكثر من عشر صفحات حوار لحظات تبدو تافهة ظاهريا لكنها تغرق المشاهد في
بحر من المشاعر المتضاربة الخوف الأمل الغربة والإصرار.
ومن الطريف أن بعض النقاد الغربيين الذين شاهدوا العمل قالوا إنهم شعروا وكأنهم يتجولون بأنفسهم في شوارع عين شمس يشتمون روائح الطعام الشعبي ويستمعون إلى ضوضاء الميكروباصات وكأن الفيلم زرعهم زرعا في قلب القاهرة دون تأشيرة سفر!
دعم البحر الأحمر... وأحلام لا تعرف الحدود
لا يمكن تجاهل الدور المهم الذي لعبته مؤسسة البحر الأحمر السينمائية في دعم هذا العمل الطموح مما أتاح لمصطفى مساحة حرة للتعبير دون أن تخنقه الميزانيات الضيقة. هكذا يبدو أن التكامل العربي في دعم المواهب أصبح واقعا حقيقيا لا مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.
وبينما يحلم بعض المخرجين العرب بالتمويل الخارجي ويلاحقون المنح الأوروبية قرر مراد مصطفى أن يبني عمله بيديه وأن يعتمد على مصادر قريبة تدرك أهمية الحكايات المحلية بعيون محلية.
السينما المستقلة المعركة مستمرة
إن تجربة مصطفى تذكرنا بأن السينما المستقلة ليست ترفا بل ضرورة خاصة في زمن أصبحت فيه معظم الأفلام تشبه بعضها البعض كما تتشابه إعلانات الوجبات السريعة.
مراد مصطفى يقدم سينما من لحم ودم أفلاما لا تحاول دغدغة عواطف الجمهور السطحية بل تخاطب وجدانه الأعمق. إنه يصر على أن السينما يمكن أن تكون مرآة للواقع لا مجرد أداة للهروب منه.
وربما لهذا السبب وجد فيلمه كل هذا التقدير في مهرجان كان إذ شعر العالم أن هناك مخرجا مصريا جديدا يملك شيئا مختلفا شيئا لا يمكن
تغليفه أو تصنيعه في استوديوهات هوليود.
المستقبل هل يتحول مراد إلى ظاهرة
السؤال المحير الآن هو هل سيكون عائشة لا تستطيع الطيران مجرد ضربة حظ جميلة أم أن مراد مصطفى سيواصل رحلته ويصبح علامة ثابتة في سماء السينما العالمية
كل المؤشرات تقول إن الرجل لديه ما يكفي من الجرأة والرؤية ليواصل الصعود. خاصة وأنه أثبت بالفعل عبر أكثر من عمل قصير ناجح أنه لا يخشى المغامرة ولا يخاف أن يحكي قصصا عن شخصيات مهمشة لا تجد عادة مكانها تحت أضواء المهرجانات.
وربما ستكون الخطوة التالية هي شراكات دولية أوسع أو الدخول إلى منافسات أكثر جرأة مثل السعفة الذهبية نفسها في دورات مقبلة. من يدري طالما أن الحلم بدأ صغيرا فلا حدود لما يمكن أن يتحقق لاحقا.
خاتمة عائشة طارت... ومصر معها!
بينما كان البعض يعتقد أن مصر فقدت قدرتها على تصدير سينمائيين متمردين إلى العالم جاء مراد مصطفى ليقول العكس ما زالت لدينا حكايات وما زال لدينا حلم!
ومثلما استطاعت عائشة أن تطير في نهاية الفيلم رغم أنف الصعاب وقوانين الواقع فإن مراد مصطفى طار هو الآخر فوق حواجز كثيرة الجغرافيا والتمويل والبيروقراطية وسقف التوقعات.
هذه المشاركة ليست مجرد إنجاز فردي بل علامة على أن السينما المصرية قادرة على أن تجدد دماءها كلما خيل لنا أنها شاخت. كل ما تحتاجه هو شاب يؤمن أن بإمكان الكاميرا أن تصنع معجزة.
ومراد مصطفى بلا شك أثبت أن المعجزات لا تحدث في القصص فقط... بل أحيانا تحدث على السجادة
الحمراء في مهرجان كان!

تم نسخ الرابط