جدل في العراق بشأن سعيه لإعادة العمل بالاتفاقية البحرية مع الكويت

لمحة نيوز

تشهد الساحة العراقية جدلاً واسعاً بعد محاولات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لإعادة تفعيل الاتفاقية البحرية الخاصة بخور عبد الله مع الكويت، وذلك رغم إبطالها قضائياً في سبتمبر/أيلول 2023. يقف وراء هذه المبادرة خلفيات اقتصادية خاصة بتعزيز حركة التجارة عبر ميناءي «أم قصر» و«مبارك الكبير»، إلا أن المعارضة الداخلية تعتبرها تنازلاً عن السيادة العراقية ومخاطرة بحق الوصول الوحيد للعراق إلى الخليج العربي. تتجسد هذه المعارضة من خلال قرارات المحكمة الاتحادية العليا العراقية، وتصريحات نواب البصرة، والموقف الرسمي الكويتي الذي يؤكد التزامه بقرارات مجلس الأمن الدولي، خاصة القرار رقم 833 الصادر عام 1993. يطرح هذا الجدل تحديات سيادية واقتصادية وقانونية، ويعيد إلى الواجهة العلاقة بين بغداد والكويت في إطار التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية.

الخلفية التاريخية للاتفاقية البحرية

نشأة الاتفاقية وتوقيعها

في 18 ديسمبر 2013، صادق كل من البرلمان العراقي والبرلمان الكويتي على «اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله»، وأُودعت رسمياً في الأمم المتحدة (United Nations Treaty Series, volume 2968, No. I-51594). هدفت الاتفاقية إلى تسهيل حركة السفن بين مرفأي «أم قصر» العراقي و«مبارك الكبير» الكويتي، ورأى داعموها أنها خطوة نحو تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

إطار مجلس الأمن وتطبيق القرار 833

سبق ذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 833 الصادر في

27 مايو 1993، الذي أكد على عدم إعادة تخصيص أي أراضٍ أو مياه، بل على ترسيم الحدود البحرية بدقة استناداً إلى الاتفاقية الموقعة عام 1963 بين البلدين. اعتُبر هذا القرار ملزماً لكلا الطرفين بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وضبط الإطار القانوني للحدود البحرية والبرية.

إبطال الاتفاقية من قبل المحكمة الاتحادية العراقية

حكم سبتمبر/أيلول 2023

في سبتمبر 2023، قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق بعدم دستورية المصادقة على اتفاقية خور عبد الله، مستندة إلى عدم توفر الثلثين من أصوات أعضاء البرلمان كما ينصّ الدستور العراقي على المصادقة على المعاهدات الدولية. ورأى القضاة أن جوانباً عديدة من الاتفاقية تجاوزت الإطار الفني لتنظيم الملاحة، ودخلت في مسائل ذات طابع سيادي وتاريخي.

رد الفعل الكويتي

أعلن الجانب الكويتي، عبر رسالة رسمية للجامعة العربية والأمم المتحدة، أن الاتفاقية ذات طبيعة فنية بحتة تنظم الملاحة، ولا تتعلق بترسيم الحدود البحرية، ودعا إلى احترام قرار مجلس الأمن رقم 833 باعتباره ملزماً لكليهما. كما استنكرت الكويت استخدام المحكمة الاتحادية العراقية لمبررات تاريخية تتجاوز اختصاصها.

جهود إعادة التفعيل وأبعادها الاقتصادية

مبادرات حكومية عراقية

كشفت وثائق مسرّبة أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني سعى سريّاً لإعادة تفعيل الاتفاقية البحرية مع الكويت، معتبراً أنها “تحرك براغماتي” لتحقيق استقرار اقتصادي وتنويع طرق تصدير النفط والبضائع

عبر الخليج . وتدعم الحكومة فكرة ربط ميناء أم قصر بميناء مبارك الكبير لتقصير مسار الشحن.

استثمارات كويتية وصينية

في إبريل/نيسان 2025، أعلنت الكويت تخصيص 604 ملايين دولار لاستكمال مشروع ميناء مبارك الكبير، توزّعت على أعمال الحفر والتجهيزات البحرية، ووقّعت مذكرة تفاهم مع الصين لتطوير المشروع بنسبة إنجاز وصلت إلى 52% . هذه الاستثمارات تعكس تمسّك الكويت بمشروعها رغم النزاع القانوني مع العراق.

المواقف البرلمانية والمحلية

رفض نواب البصرة

دعا عدد من نواب محافظتي البصرة وميسان، وعلى رأسهم النائب عبد الكاظم المحمداوي، إلى إلغاء أو تعديل الاتفاقية، معتبرين أنها تقيّد حرية العراق البحرية وتحدّ من سيادته على مياهه. وطالبوا بتشكيل لجان قانونية وشعبية لاستعراض نصوص الاتفاقية وتعديلها طبقاً لمصالح العراق.

تصريحات وائل عبد اللطيف

اعتبر القاضي والنائب السابق وائل عبد اللطيف أن الاتفاقية “باطلة قانونياً” وأن توقيعها تمّ عبر “فساد ورشاوى” من مسؤولين عراقيين، محذّراً من “بيع قناة خور عبد الله للكويت” ومؤكداً أن أي تنازل عن جزء من مياه العراق مرفوض دستورياً وشعبياً.

الموقف الكويتي والدولي

الموقف الرسمي الكويتي

جددت الكويت تأكيدها على احترام سيادة العراق ومبادئ حسن الجوار، لكنها أعلنت استعدادها “لاتخاذ الإجراءات اللازمة” لحماية حقوقها في حال استمرّ العراق في عدم الالتزام بالاتفاقيات الدولية، مستندة في ذلك إلى ميثاق فيينا لاتفاقية القانون الدولي

للمعاهدات (1969) وقرار مجلس الأمن 833

ضغوط أمريكية ودولية

حثّت الولايات المتحدة، خلال حوار افتراضي جمعها مع الكويت، بغداد على احترام السيادة الكويتية والالتزام بالاتفاق البحري لعام 2013، ولفتت إلى أهمية إتمام ترسيم الحدود البحرية بما يتوافق مع القانون الدولي ومبادئ البحار لعام 1982. كما أشارت مصادر دبلوماسية إلى دور محتمل للأمين العام للأمم المتحدة في الوساطة.

الآثار المتوقعة

على الاقتصاد العراقي

قد يعزز تفعيل الاتفاقية من حجم البضائع والتجارة العابرة للعراق، ويخفض تكاليف الشحن عبر تقصير المسافة إلى الخليج. وفي المقابل، يثير القرار مخاوف من “عزلة” العراق البحرية إذا فشلت المفاوضات وحرمت سفنه من الوصول إلى ميناء مبارك.

على العلاقات الثنائية

يبقى الخلاف حول الاتفاقية محوراً بارزاً في العلاقات العراقية-الكويتية، حيث تلتقي الملفات التاريخية المتمثلة في التعويضات المتبقية منذ حرب الخليج 1990، مع قضايا ملكية أراضٍ وثروات مائية تحتاج إلى توافق سياسي وقضائي.

يضع الجدل الحالي بين القاهرة السياسية والاقتصادية في بغداد امتحاناً لقدرة العراق على الموازنة بين حماية سيادته واستثماره الجغرافي. فالربط البحري مع الكويت قد يفتح آفاقاً اقتصادية، لكنه يتطلب شفافية نيابية وتوافقاً جماهيرياً يضمن الحزام الشرعي لأي اتفاق. وعلى الجانب الكويتي، فإن الاعتماد على الإطار القانوني الدولي يبقى الضامن الأساسي لحفظ الحقوق المتبادلة. يبقى الأمل أن

يصل الطرفان إلى صيغة توازنية تضمن مصالح الشعبين وتعيد استقرار العلاقات في قلب الخليج.

تم نسخ الرابط