اكتشاف تمثالين بالحجم الطبيعي في أنقاض مدينة بومبي الإيطالية القديمة

لمحة نيوز

في نهاية أبريل 2025، أعلن فريق من علماء الآثار الإيطاليين عن اكتشاف تمثالين بالحجم الطبيعي منحوتين في جدار ضريح بُمبي، ضمن منطقة مقابر بورتا سارنو (Porta Sarno)، ما يعد واحدًا من أهم الاكتشافات الأثرية في الموقع منذ عقود. التمثالان يصوّران رجلاً وامرأةً واقفين جنبًا إلى جنب، ويعتقد الباحثون أنهما يمثلان زوجين دفنا في هذا الضريح الذي يعود إلى أواخر الحقبة الجمهورية الرومانية 

تقع مدينة بومبي الأثرية جنوب إيطاليا عند سفح جبل فيزوف البركاني، وتُعَدّ من أكثر المواقع الرومانية المحافظة عليها، بعد أن غرق سكانها تحت طبقات الرماد والحمم عام 79 للميلاد. لقد مكّن الانفجار البركاني الباحثين في العصر الحديث من دراسة تفاصيل الحياة اليومية آنذاك، بدايةً من المنازل والطرق وصولًا إلى المقتنيات الشخصية والجثث التي جُمِّدت في لحظات الرعب الأخيرة.

خلال حملة تنقيبية استمرت أربعة أشهر في مقبرة بورتا سارنو، عمد الفريق إلى إزالة كتل الحجر الرملي المحيطة بالضريح، ليكشف في نهايتها عن واجهة كبيرة تضم عدة تجاويف (niches) منحوتة بشكلٍ دقيق. وفي اثنتين منها، برزت أولا تماثيل

حية الحجم أذهلت الفريق بطابعها الواقعي والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، مما يشير إلى مكانة أصحاب الضريح الاجتماعية والاقتصادية العالية آنذاك

تمثال المرأة يُظهرها مرتدية ثوبًا طويلًا مشدود الخصر، مع طوق عنق مزخرف وأقراط كبيرة، وتعلو رأسها ربطة شعر ملفوفة بعناية. تبرز حول عنقها قلادة على شكل هلال، ووزعت مزهريات صغيرة في تجاويف الضريح تبدو وكأنها كانت تحمل بخورًا أو زهورًا للطقوس الدينية. يعتقد الباحثون أن المرأة كانت كاهنة مُخصَّصة لعبادة الإلهة سيريس (Ceres)، إلهة الزراعة والخصوبة في الديانة الرومانية 

أما تمثال الرجل، فيرتدي التوغا الرومانية الكلاسيكية، مع طية واضحة على الصدر وكتفٍ مكشوف ينم عن أسلوب النحت المجازي الذي يربط بين المظهر العسكري والطبقات الأرستقراطية. لا يحمل التمثال أي نقشٍ صريحٍ يحدد هويته، لكن علماء الآثار رجّحوا أن يكون زوجها أو ربما ابنها البالغ من العمر حينها ما بين 20 و30 عامًا، نظرًا للتشابه في أبعاد الجسم والطول 

النحت المنخفض والعالي المزجج في هذه التماثيل كشف مستوى فنيًا راقيًا، إذ استُخدم الرخام الأبيض عالي النقاء، مع

أدوات حفر دقيقة لإظهار تفاصيل مثل تجاعيد الثوب وشعر المرأة المنفًّش. يشير تحليل طراز النحت وتقنيات الصقل إلى صناعتها بين 50 ق.م و20 ق.م، وهي الفترة التي اتسمت فيها بومبي بازدهار اقتصادي واجتماعي، ما دفع النخب المحلية إلى التنافس في بناء مشروعات ذات طابع احتفالي وجمالي

قاد عمليات التنقيب والدراسة الدكتور ماتيو روسي من جامعة نابولي “لورينزو مانفريدي”، بالتعاون مع فريق من معهد الحفريات الوطني الإيطالي. اعتمد العلماء على تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد (3D scanning) والتصوير المقطعي بالأشعة تحت الحمراء للكشف عن الفروق الدقيقة في سُمك الحجر وتركيب المعادن في الرواسب المحيطة، ما ساعد في فهم البيئة الترابية التي دُفنت فيها التماثيل مدى 2000 عام 

دخلت التماثيل حاليًا مرحلة الترميم الدقيق، إذ يُمكن للجمهور متابعة أعمال الترميم مباشرةً عبر كاميراتٍ موضوعة في مختبر الموقع الأثري، اعتبارًا من منتصف أبريل 2025. وبعد اكتمال الترميم، ستُعرض التماثيل في متحف أنقاض بومبي (Antiquarium of Pompeii) ضمن جناحٍ جديدٍ يسلّط الضوء على الحياة الدينية والجنائزية في المدينة القديمة 

يُعدّ

هذا الاكتشاف ذا قيمة علمية وثقافية كبيرة، إذ يمد الباحثين بمعطيات جديدة عن الممارسات الجنائزية في العهد الجمهوري المتأخّر، مثل طقوس التماثيل التذكارية والعلاقة بين الطبقات الاجتماعية ومظاهر الثروة الفنية. كما يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات على البقايا المحيطة بالضريح للكشف عن هوية أصحابها وعلاقتهم بالعوالم الدينية آنذاك 

يتطلع علماء الآثار إلى استخراج الحفريات المحيطة بنهاية المقبرة، بحثًا عن نقوشٍ قد تذكر أسماء أصحاب الضريح أو تفضح وظائفهم في المجتمع البومبيلي. إضافةً لذلك، تخطط البعثة لتحليل عيناتٍ من التربة بحثًا عن بقايا نباتية أو مواد عضوية تُسهم في إعادة بناء الطقوس الجنائزية والطقوس الزراعية المرتبطة بعبادة سيريس في تلك الحقبة

في الختام، يُعيد اكتشاف التمثالين بالحجم الطبيعي في أنقاض بومبي إلى الواجهة التنوع الفني والثقافي الذي عانت المدينة من فقدانه تحت رماد فيزوف. هذه الاكتشافات لا تقتصر على كونها تحفًا أثرية فحسب، بل هي جسرٌ يربط الحاضر بماضٍ زاخر بالأسرار والقصص الإنسانية، ويؤكد أن بومبي ما زالت تخبئ في طياتها عجائب تستحق الانتظار واكتشافها.

تم نسخ الرابط