بغداد تستعد لاستقبال القمة العربية بعد 13 عامًا
بغداد، تلك المدينة العريقة التي تتنفس تاريخًا وحاضرًا في آن واحد، تستعد لكتابة فصل جديد من فصول دورها الريادي في الساحة العربية. بعد ثلاثة عشر عامًا من الانتظار، تعود العاصمة العراقية لاحتضان القمة العربية في لحظة فارقة تشهد تحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية. الأجواء في شوارع بغداد تتنقل بين الترقب والأمل، حيث تتداخل روائح الماضي العريق مع أنفاس المستقبل الواعد، في مشهد يعكس قدرة هذه المدينة الأسطورية على النهوض من جديد رغم كل التحديات.
في أروقة القصور الحكومية والمباني الرسمية، تدور العشرات من الاجتماعات التحضيرية على مدار الساعة. كل تفصيل يخضع للدراسة والتمحيص، من ترتيبات البروتوكول الدبلوماسي إلى أدق التفاصيل اللوجستية. فريق العمل العراقي يتحرك بدقة متناهية، مدركًا أن هذه الفرصة التاريخية قد لا تتكرر قريبًا. في مطار بغداد الدولي، تم تحديث مرافقه لاستقبال الوفود الرسمية، بينما تخضع الفنادق الفاخرة لعمليات تجديد وتطوير لتكون على مستوى توقعات الضيوف. حتى شارع الرشيد العتيق، شاهد التاريخ الحي، يكتسي حلة جديدة كأنما يريد أن يروي للزوار قصة مجد لم ينته بعد.
على الجانب الأمني، تم تنفيذ خطة محكمة تشمل عدة طبقات من الحماية. القوات الأمنية تتدرب منذ أشهر على سيناريوهات معقدة، مستفيدة من أحدث التقنيات في مجال حماية الشخصيات المهمة. خلايا أمنية متخصصة تعمل في سرية تامة، بينما تم تعزيز التعاون مع أجهزة استخباراتية عربية ودولية لتبادل المعلومات. الأحياء التي ستستضيف فعاليات القمة شهدت عمليات تمشيط دقيقة، مع تركيز خاص على المناطق المحيطة. بغداد تريد أن تبعث رسالة واضحة للعالم بأنها قد استعادت زمام الأمن والاستقرار، وأنها قادرة على حماية ضيوفها كما كانت تحمي تاريخها العريق.
السياق الإقليمي
الملف الاقتصادي يحتل مكانة مركزية في التحضيرات. العراق، الذي يمتلك ثروات طبيعية هائلة، يسعى لتحويل القمة إلى منصة لجذب الاستثمارات العربية. تم إعداد دراسات جدوى لمشاريع استراتيجية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والزراعة، على أمل أن تلقى اهتمامًا من الشركاء العرب. غرفة التجارة العراقية نظمت سلسلة لقاءات مع نظرائها العرب، بينما أعدت وزارة النفط حزمة مشاريع مشتركة في مجال التكرير والبتروكيماويات. حتى القطاع الخاص بدأ يستشعر الفرص، حيث تشهد العاصمة حركة غير مسبوقة في تأسيس شركات جديدة تحسبًا لموجة استثمارية محتملة.
القضية الفلسطينية، ذلك الملف الذي طالما مثل الحجر الأساس في العمل العربي المشترك، خاصة ما يتعلق بمسار التطبيع، فرضت إعادة نظر في آليات الدعم العربي للقضية. العراق، الذي حافظ على موقف متوازن، يرى أن القمة فرصة لإطلاق مبادرة عربية تجدد الالتزام بالحقوق الفلسطينية دون الانغلاق في الخطابات التقليدية. بعض الدبلوماسيين يطرحون أفكارًا لمشاريع تنموية في الأراضي المحتلة، أو برامج دعم مباشر للشعب الفلسطيني، كبديل عن الخطاب السياسي المجرد الذي فقد جزءًا من فعاليته.
على الصعيد الثقافي،
التحديات التي تواجه نجاح القمة لا تخفى على أحد. بعض المحللين يشيرون إلى أن الخلافات بين الدول العربية وصلت إلى مستوى قد يعيق إصدار بيان ختامي قوي. آخرون يخشون من أن تتحول القمة إلى منصة للخطابات الرنّانة دون إجراءات ملموسة. لكن الفريق التفاؤلي يرى أن مجرد عقد الاجتماع في بغداد بعد كل هذه السنوات يمثل انتصارًا للدبلوماسية العراقية، وأن حتى الاتفاق على نقاط محدودة سيشكل أساسًا يمكن البناء عليه في المستقبل.
الشارع العراقي يتابع التحضيرات بمزيج من الفخر والحذر. جيل الشباب، الذي لم يشهد أيام ازدهار العراق القديم، ينظر إلى القمة كفرصة لفتح نوافذ جديدة على العالم العربي. أما كبار السن، الذين عاصروا أيام المجد، فيتذكرون كيف كانت بغداد يومًا عاصمة للثقافة والسياسة في المنطقة. وسائط التواصل الاجتماعي تشهد نقاشات حادة بين مؤيدين للقمة يرون فيها بوابة للانفتاح، ومعارضين يخشون أن تتحول إلى مجرد استعراض شكلي.
الدور التركي والإيراني يظل عاملًا مؤثرًا في خلفية المشهد. كلا البلدين يتابعان التحضيرات عن كثب، إذ أن نتائج القمة قد تؤثر على موازين القوى في المنطقة. الدبلوماسية العراقية تحاول
السيناريوهات المطروحة لنتائج القمة تتراوح بين التشاؤم الحذر والتفاؤل المحدود. في أحسن الأحوال، قد تخرج القمة بخطة عمل عربية مشتركة لمواجهة التحديات الاقتصادية، أو آلية للتنسيق الأمني في مواجهة التهديدات المشتركة. بعض المتفائلين يتحدثون عن إمكانية إطلاق مبادرة عراقية لحل الأزمة السورية، أو على الأقل تخفيف حدتها. أما المتشائمون فيشيرون إلى أن الخلافات الجوهرية عميقة جدًا، وأن القمة لن تتجاوز كونها مناسبة لالتقاط الصور التذكارية.
بغداد، التي شهدت عبر تاريخها الطويل انتصارات وهزائم، تعرف جيدًا أن التاريخ لا يُصنع في مؤتمر واحد. لكن القادة العراقيين يدركون أيضًا أن العودة إلى قلب الحدث العربي بعد غياب طويل تمثل في حد ذاتها رسالة مهمة. المدينة التي كانت يومًا عاصمة للخلافة العباسية، وحاضنة لأعظم العلماء والمفكرين، تريد أن تذكر العالم بأنها لم تختفِ رغم كل العواصف. القمة العربية قد تكون البداية لعودة بغداد إلى مكانتها الطبيعية، ليس كمجرد مسرح للأحداث، ولكن كلاعب رئيسي في تشكيل مستقبل المنطقة.
في الأيام الأخيرة قبل انعقاد القمة، تتناقل وسائل الإعلام العالمية صورًا لبغداد تظهر مزيجًا من القديم والجديد. ناطحات السحاب الحديثة تتعانق مع المباني التراثية . هذا المشهد الساحر يختزل قصة العراق كله: بلد يجمع بين الأصالة والحداثة، بين جراح الماضي وأمل المستقبل. القمة العربية ليست مجرد اجتماع سياسي، ولكنها اختبار لقدرة بغداد على استعادة دورها، وشهادة على إصرار شعبها على الحياة