فوهة باتوم في سيبيريا بوابة إلى العالم الآخر

لمحة نيوز

في عمق غابات سيبيريا الكثيفة وتحديدا في منطقة إيركوتسك شرق روسيا تقبع إحدى أغرب الظواهر الجيولوجية التي حيرت العلماء لعقود. إنها فوهة باتوم المعروفة محليا باسم عش النسر والتي تثير اهتمام الباحثين والجيولوجيين حول العالم بسبب تكوينها الفريد وأصلها المجهول. البعض يرى فيها ظاهرة طبيعية نادرة وآخرون يعتبرونها بوابة إلى المجهول فيما يحيط بها مزيج من الأساطير المحلية والفرضيات العلمية التي لم تحسم حتى اليوم.
تتشكل فوهة باتوم من تلة مخروطية الشكل يبلغ قطرها نحو 160 مترا وارتفاعها حوالي 40 مترا وتبدو وكأنها نحتت بفعل قوة هائلة من باطن الأرض. في مركزها حفرة عميقة تشبه القبة المقلوبة محاطة بصخور جيرية متراكمة تعطيها مظهرا غير مألوف في الجغرافيا الروسية. ما يزيد من غرابتها أن هذا التكوين لا يرتبط بأي نشاط بركاني معروف في المنطقة رغم التشابه الظاهري مع الفوهات البركانية.
تم اكتشاف الفوهة عام 1949 على يد الجيولوجي السوفييتي فلاديمير كولباكوف خلال بعثة للبحث عن خام الحديد. ومنذ ذلك الحين شكلت الفوهة مادة دسمة للدراسات الجيولوجية

والنقاشات الأكاديمية دون التوصل إلى تفسير قاطع بشأن نشأتها.
الغريب أن هذه الفوهة لم تترك أي آثار معدنية أو عناصر نيزكية تدعم فرضية ارتطام جرم سماوي كما لم تسجل في المنطقة أي أنشطة بركانية خلال القرون الماضية.
كما أظهرت دراسات حديثة وجود تشوهات في النمو الطبيعي للأشجار المحيطة بالفوهة ما يثير التساؤلات حول وجود مؤثرات مغناطيسية أو إشعاعية غير طبيعية.
بالنسبة لسكان ياكوت الأصليين تعد فوهة باتوم منطقة ملعونة لا ينبغي الاقتراب منها. وقد أطلقوا عليها اسم أرض الموت معتقدين أنها موطن للأرواح الشريرة ويفضل كثير منهم تجنب الحديث عنها. يروى أن الحيوانات ترفض الاقتراب منها وأن الطيور تحلق حولها دون أن تعبر فوقها في حين يشتكي الزوار من دوار مفاجئ وصداع عند اقترابهم من الموقع.
رغم الجهود العلمية المبذولة لم تتوصل حتى اليوم إلى تفسير نهائي لأصل الفوهة. فيما يلي أبرز النظريات المطروحة
اصطدام نيزكي انفجاري تقترح هذه النظرية أن جرما سماويا انفجر في الغلاف الجوي قبل الارتطام ما أدى إلى تشكيل الفوهة دون ترك شظايا نيزكية.
انفجار جيولوجي
داخلي يشير بعض الباحثين إلى احتمالية حدوث انفجار نتيجة ضغط غازات أو ماء ساخن تحت الأرض ما أدى إلى دفع الصخور للأعلى.
بركان جليدي نادر تصنف الفوهة أحيانا كظاهرة تشبه البركان الجليدي الذي يحدث في مناطق تتجمع فيها المياه تحت طبقات التربة المجمدة وتنفجر بفعل الضغط.
تفاعلات نووية طبيعية هناك من يفترض أن الفوهة ناتجة عن تفاعل نووي طبيعي نادر جدا على غرار التفاعلات التي وجدت في بعض المناجم الإفريقية القديمة.
لكن رغم هذه الفرضيات لم تتوفر أدلة قاطعة حتى الآن وهو ما أبقى الفوهة في دائرة الغموض.
حوادث غامضة زادت من الأسطورة
في عام 2005 توفي أحد العلماء الروس المشاركين في بعثة استكشافية إلى الفوهة إثر أزمة قلبية مفاجئة داخل محيطها. ورغم أن الحادث لم يربط علميا بموقع الفوهة إلا أن الواقعة غذت من جديد الأقاويل حول قوة خفية أو طاقة مجهولة في المكان.
كذلك ظهرت تقارير متفرقة عن أعطال مفاجئة في الأجهزة الإلكترونية التي تستخدم بالقرب من الفوهة ما عزز الاعتقاد بوجود مجال مغناطيسي غير مستقر.

رغم صعوبة الوصول إلى الفوهة التي تتطلب عبور

مئات الكيلومترات عبر غابات سيبيريا الكثيفة والمستنقعات إلا أنها أصبحت وجهة للعديد من المغامرين وعشاق الظواهر الغامضة. كما زاد الاهتمام الأكاديمي بها خاصة مع تطور تقنيات تحليل التربة والتصوير الجيولوجي ثلاثي الأبعاد.
تجري حاليا دراسات مشتركة بين جامعات روسية وأوروبية تهدف إلى تحليل البنية التحتية للفوهة ودراسة تركيب الصخور والأشجار المحيطة بها ومحاولة فهم طبيعة الظواهر المغناطيسية الغريبة المسجلة في محيطها.
بسبب غموضها أصبحت فوهة باتوم مادة خصبة في الكتب والأفلام الوثائقية والبرامج العلمية. البعض شبهها بمثلث برمودا البري وآخرون ربطوها بتفسيرات تتعلق بالكائنات الفضائية أو الأكوان المتوازية. وقد استخدمت الفوهة في أكثر من عمل درامي وخيالي على أنها بوابة إلى بعد آخر.
رغم مرور أكثر من سبعة عقود على اكتشافها تظل فوهة باتوم واحدة من أكثر الظواهر الجيولوجية غموضا على سطح الأرض. تقف شامخة وسط عزلة سيبيريا حارسة سرا لم تفك شيفرته بعد. وبين محاولات العلماء وأساطير الشعوب تبقى هذه الفوهة شاهدا على حدود ما نعرفه عن كوكبنا وربما تلميحا
إلى ما لا نعرفه.

تم نسخ الرابط