لهذا السبب تتذكر ذاكرتنا أشياء لم تحدث أبدًا

لمحة نيوز

الذاكرة، ذلك المخزن الذهني الذي نعتمد عليه لفهم أنفسنا والعالم من حولنا، ليست كما نعتقد دائمًا آلة دقيقة تحفظ التفاصيل بدقة. ففي كثير من الأحيان، نجد أنفسنا نتذكر أحداثًا لم تحدث أبدًا، أو نبالغ في تفاصيل وقائع عشناها، أو ندمج بين مواقف مختلفة على نحو يوهمنا بأننا عشنا شيئًا ما، بينما الحقيقة مغايرة تمامًا.

تُعرف هذه الظاهرة باسم "الذاكرة الكاذبة" أو الذاكرة الزائفة، وهي حالة شائعة أكثر مما نتصور. قد يتخيل البعض أن هذه الظاهرة نادرة أو مقتصرة على أشخاص يعانون من اضطرابات معينة، لكن الأبحاث العلمية أثبتت أن أدمغتنا جميعًا عرضة لتكوين ذكريات لم تحدث في الواقع، مهما كان مستوى الذكاء أو التعليم لدينا.

كيف ولماذا تحدث الذكريات الزائفة؟

لفهم هذا الخلل في الذاكرة، لا بد من إدراك أن الذاكرة ليست كاميرا تسجل الأحداث بدقة، بل عملية معقدة تقوم على إعادة بناء التجربة. عندما نحاول تذكر موقف ما، فإن أدمغتنا لا "تشغّل" شريطًا مصورًا محفوظًا، بل تعيد تركيب أجزاء من المعلومات المنتشرة في مناطق مختلفة

من الدماغ، مثل الصور، والأصوات، والمشاعر، والروائح. وخلال هذه العملية، يمكن أن تتسرب معلومات خاطئة أو غير دقيقة، دون أن نلحظ ذلك.

هناك عوامل عدة تؤدي إلى حدوث هذا التشويه في الذاكرة، منها:

1. الاقتراح والتأثير الخارجي

يُعتبر تأثير الآخرين من أبرز الأسباب في تشكيل ذكريات زائفة. على سبيل المثال، إذا أخبرك أحد أصدقائك بأنكما شهدتما حادثة معينة معًا منذ سنوات، وكرّر ذلك مع سرد تفاصيل مقنعة، فقد تبدأ في تصديق هذه الرواية رغم أنها لم تحدث لك.

2. الخيال والتصور العقلي

عندما نتخيل موقفًا بشكل متكرر، يمكن أن يتحول هذا التصور بمرور الوقت إلى "ذكرى حقيقية". وهذا يحدث لأن الدماغ لا يميز دائمًا بين الصورة المتخيلة وتلك المستمدة من تجربة واقعية. وكلما زاد تكرار تخيل الحدث، زادت احتمالية ترسيخه كأنه وقع فعلًا.

3. الارتباط العاطفي

الأحداث المشحونة عاطفيًا —سواء كانت إيجابية أو سلبية— غالبًا ما تترك بصمة قوية في الذاكرة، لكنها أيضًا أكثر عرضة للتشويه. فقد تضخم عقولنا المواقف المؤلمة، أو تحوّر

تفاصيلها لكي نجعلها أكثر قابلية للتحمل. في حالات أخرى، يمكن أن نعيد تشكيل الذكرى لتتناسب مع رؤيتنا الحالية لأنفسنا أو للآخرين.

4. الزمن وتأثيره على استقرار الذكريات

كلما مر وقت أطول على الحدث، زادت فرصة تشوهه. فذاكرتنا لا تحتفظ بالأحداث كما هي، بل تخضع للمراجعة والتحديث في كل مرة نسترجع فيها الذكرى. وهذا يعني أن مجرد تذكر الموقف يمكن أن يؤدي إلى تغييره، خصوصًا إن تداخلت معه معلومات جديدة.

الذاكرة الكاذبة في الحياة اليومية

قد لا يكون لذكرياتنا الزائفة تأثير كارثي دائمًا، لكنها قد تؤثر على علاقاتنا وقراراتنا. على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الذاكرة الكاذبة إلى سوء فهم بين الأصدقاء أو أفراد العائلة، إذا أصرّ أحدهم على رواية حادثة يعتقد أنها وقعت، بينما ينفيها الآخر. في بعض الحالات، تلعب هذه الذكريات دورًا في تشكيل الهوية الشخصية، إذ قد يربط الإنسان بين مواقف معينة وبين طريقة رؤيته لنفسه، حتى وإن كانت تلك المواقف لم تحدث.

كما أن بعض أنظمة العدالة واجهت تحديات خطيرة بسبب الشهادات المبنية

على ذكريات غير دقيقة. فهناك سجناء أُدينوا استنادًا إلى شهادات شهود عيان لاحقًا ثبت أنها اعتمدت على ذكريات مشوشة أو زائفة.

هل يمكننا حماية ذاكرتنا من التشوه؟

رغم أننا لا نستطيع منع حدوث الذكريات الزائفة تمامًا، إلا أن هناك بعض الطرق التي يمكن أن تقلل من احتمالية تشوه الذكريات، مثل:

تدوين الأحداث المهمة فور حدوثها، يساعد في الاحتفاظ بتفاصيلها الأصلية.

طرح الأسئلة بذكاء عند استرجاع حدث معين، وتجنب صياغة الأسئلة بطريقة توجيهية أو مؤثرة.

الانتباه للمصدر، فتمييز ما إذا كانت المعلومة مستقاة من تجربة مباشرة أم من شخص آخر أو من فيلم شاهدته يمكن أن يكون حاسمًا.

مراجعة الذكريات مع أشخاص آخرين ممن شاركوا في الحدث، قد يوضح النقاط الغامضة أو المصطنعة.

الختام: هل يمكن الوثوق بالذاكرة؟

الذاكرة ليست صندوقًا مغلقًا نحفظ فيه الماضي كما هو، بل هي أشبه بقصة نرويها لأنفسنا باستمرار، تتغير أحيانًا دون أن نشعر. وفي ضوء هذا الفهم، ربما علينا التعامل مع ذاكرتنا —وخاصة عند اتخاذ قرارات أو الحكم على

الآخرين— بحذر وتواضع. فالدماغ البشري مذهل، لكنه ليس معصومًا من الخطأ.

تم نسخ الرابط