بحيرة تظهر وتختفي كل عام في تشيلي.. أين تذهب المياه؟
تُعد بحيرة “كاشيه II” (Cachet II) في باتاغونيا التشيلية واحدة من الظواهر الجليدية الفريدة عالميًا، حيث يختفي سطحها المائي بالكامل عدة مرات سنويًا دون أن يترك سوى قاعٍ جافٍ من الرمل وقطع جليدية متناثرة. تنجم هذه الظاهرة عن انفتاح نفق في الجدار الجليدي للسدّ الذي يؤخر مياه البحيرة، مما يؤدي إلى تصريف كامل لمليارات اللترات إلى نهر بيكر Baker في غضون ساعات قليلة. يُعتقد أن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة يزيدان من ضعف جدار الجليد، ومن ثم تكرار حدوث هذه السدود المنفجرة، وهو ما يُعرف بفيضانات البحيرات الجليدية (Glacial Lake Outburst Floods – GLOFs) . على الرغم من سلبية الفيضانات على المجتمعات الجبلية والحياة البرية، فإن هذه الظاهرة تتيح دراسة ديناميكيات الأنهار الجليدية والتنبؤ بالمخاطر المستقبلية الناتجة عن ذوبان الجبال الجليدية.
موقع البحيرة ووصفها
الموقع الجغرافي
تقع بحيرة كاشيه II في الجزء الجنوبي من حقل الجليد الشمالي (Northern Patagonian Ice Field) بمنطقة أيسين (Aysén) في باتاغونيا التشيلية، على بُعد نحو 1700 كيلومتر جنوب العاصمة سانتياغو. يحيط بالبحيرة جليد نهر كولونيا
الأبعاد والحمولة
يبلغ حجم البحيرة حوالي 200 مليون متر مكعب من المياه، وتمتد على مساحة تقارب اثنين كيلومتر مربع في حالات الامتلاء الكاملة. عمق البحيرة يصل إلى نحو 90 قدمًا (حوالي 27 مترًا) قبل التصريف المفاجئ.
آلية الاختفاء والظهور
تكون السد الجليدي
يتكون جدار من الجليد في مصب نهر كولونيا، ويعمل كسد طبيعي يحجز مياه البحيرة خلفه. مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وفصل الربيع، تزداد سرعة ذوبان الجليد، مما يُحدث ضعفًا في بنية السد وظهور شقوق نفقية تسمح بتسرب المياه.
الفيضانات الجليدية (GLOFs)
عندما تكبر هذه الشقوق بما يكفي لتشكيل نفق كامل، ينهار السد فجأة، فتندفع المياه في غضون ساعات إلى مصب نهر بيكر (Baker River)، مُشكلة فيضانات ضخمة تصل إلى مصب النهر في المحيط الهادئ.
التكرار والموسمية
هدّد هذا الحدث البحيرة بالاختفاء 11 مرة منذ عام 2008، بمتوسط تكرار حوالي مرتين إلى ثلاث مرات سنويًا. على سبيل المثال، جرى تصريفها في 27 يناير و31 مارس من عام 2012 بنفس السنة .
مسار المياه بعد التصريف
المياه المنصرفة
التأثيرات البيئية والمجتمعية
خطر الفيضان
الفيضانات المفاجئة تنطوي على مخاطر كبيرة للسكان المحليين والحياة البرية؛ إذ قد تتسبب في حدوث “تسونامي طيني” يطمر المنازل والمحاصيل الزراعية. ولذا طورت القرى المحيطة إنذارات مبكرة تُنبّه السكان بثماني ساعات قبل التصريف للسفر إلى الأماكن الآمنة .
النظام الإيكولوجي
يُحدث التصريف السريع تغيرات دراماتيكية في الموائل النهرية والبحرية؛ فالحيوانات المائية التي تعتمد على مستوى ثابت للمياه تتعرض للانقطاع المفاجئ وخسارة مواطنها، في حين تستفيد بعض النباتات من الرواسب المغذية التي تُحملها مياه الفيضان إلى السهول المنخفضة.
ارتباط الظاهرة بالتغير المناخي
يربط العلماء تزايد تكرار هذه الفيضانات بارتفاع درجات الحرارة العالمية، حيث تتراجع كتلة الأنهار الجليدية وتضعف
أهمية الدراسة والرصد
نماذج التنبؤ
تُستخدم صور الأقمار الاصطناعية وقياسات الرصد الأرضي لتقييم سمك الجليد وتطور الشقوق، وهو ما يساعد في نمذجة توقيت التصريف وتخفيف المخاطر المحتملة.
التعاون الدولي
تساهم مراكز الأبحاث التشيلية والدولية في مراقبة بحيرة كاشيه II وحقل الجليد المحيط به، لتبادل البيانات والتوصيات حول إدارة المياه وتنبيه المجتمعات الجبلية.
تُعد بحيرة كاشيه II مثالًا حيًا على ديناميكيات المياه الجليدية في عصر الاحتباس الحراري، وكما أنها تمثل تحديًا وفرصة في آن واحد: تحدٍّ في التنبؤ بالمخاطر وإدارة الموارد المائية، وفرصة لدراسة العمليات الجليدية المتسارعة وآثارها البيئية. يستدعي استمرار هذه الظاهرة تكثيف جهود المراقبة والبحث العلمي، بالإضافة إلى تعزيز إجراءات الحماية المحلية والعالمية ضد آثار تغير المناخ التي تساهم في تكرار هذه الفيضانات الجليدية بشكل قد يعيق استدامة المجتمعات