منع الملابس الاستفزازية التي تكشف أكثر بكثير مما تخفي على السجادة الحمراء لمهرجان كان

لمحة نيوز

مهرجان كان والملابس الاستفزازية: عندما تكشف الأزياء أكثر بكثير مما تخفي

منذ انطلاقه في عام 1946، ارتبط مهرجان كان السينمائي الدولي بالفخامة والرقيّ، فهو واحد من أبرز المهرجانات السينمائية في العالم، حيث يلتقي الفن الراقي بصناعة الترفيه العالمية تحت أضواء الكاميرات وسحر الريفييرا الفرنسية. لكن مع مرور السنوات، لم تعد السينما وحدها هي محور الاهتمام، بل أصبحت السجادة الحمراء حدثاً قائماً بذاته، يتصدر عناوين الصحف ويثير الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي النسخ الأخيرة، تحولت السجادة الحمراء إلى منصة استعراض جريئة، تزايد فيها الظهور بملابس استفزازية تكشف أكثر مما تخفي، الأمر الذي أثار موجات غضب وانتقادات حادة من الجمهور، وفتح باب النقاش حول حدود الموضة، والحرية الشخصية، وتأثير العولمة الثقافية على الذوق العام.

السجادة الحمراء من الأناقة إلى "الاستعراض المكشوف"

لطالما كانت السجادة الحمراء في كان مناسبة لتسليط الضوء على تصاميم أشهر دور الأزياء العالمية، من "ديور" و"شانيل" إلى "فالنتينو" و"فيرساتشي"، لكن في السنوات الأخيرة، بدأ بعض المشاهير - خصوصاً النجمات الشابات - في كسر الأعراف والتقاليد، واختيار فساتين تتسم بالجرأة الشديدة، تكاد تكون أشبه بـ"قطع فنية من الشفافية".

لم تعد المسألة تتعلق بالموضة فقط، بل بما يشبه الاستفزاز المقصود، حيث ظهرت نجمات في فساتين شبه عارية، تكشف الجسد بصورة مباشرة دون حواجز تذكر. هذا التغيير في الذوق والإطلالات أثار تساؤلات كثيرة حول الأهداف الكامنة وراء هذا التوجه: هل هو تعبير عن الحرية؟ أم رغبة في لفت الأنظار بأي ثمن؟

أبرز الإطلالات المثيرة للجدل في مهرجان كان

1. إطلالة عارضة الأزياء الأمريكية "بيلا حديد" (2021)

في أحد أكثر الإطلالات

شهرة وإثارة للجدل، ارتدت بيلا حديد فستاناً أسود من تصميم "دانييل روزبيري" لصالح دار "سكاباريللي"، يتميز بفتحة صدر كبيرة للغاية مغطاة فقط بعقد معدني على شكل رئتين. الفستان لاقى إعجاب البعض بوصفه "فنياً"، لكن كثيرين وصفوه بـ"الاستعراض الجريء الذي يفتقد للذوق".

2. إطلالة "جوليا فوكس" (2023)

ارتدت الممثلة وعارضة الأزياء جوليا فوكس فستاناً مكشوفاً بالكامل من الجانبين، مع قماش شفاف أظهر أكثر مما أخفى. ورافقت الإطلالة بتسريحة شعر ومكياج غريبين، مما أثار سخرية الجمهور على مواقع التواصل، واعتبرها البعض "بحثاً يائساً عن الشهرة".

3. الممثلة الفرنسية "فانيسا بيروني"

ظهرت في إحدى دورات المهرجان بفستان شفاف بالكامل، اكتفت فيه باستخدام بعض النقوش على أماكن محددة من الجسد، ما اعتبره النقاد "تعدياً على الذوق العام الفرنسي"، رغم أن فرنسا تُعرف بانفتاحها النسبي تجاه الموضة.

جمهور منقسم: بين الانبهار والاشمئزاز

ردود الفعل الجماهيرية تجاه هذه الإطلالات كانت متباينة، لكنها تميل في المجمل إلى الغضب أو الاستنكار. على الرغم من وجود فئة تحتفي بالتحرر والتعبير عن الذات، فإن قطاعاً واسعاً من الجمهور، خصوصاً في الدول العربية والآسيوية، عبّر عن صدمته واستيائه من "الانحدار في الذوق" و"تسليع الجسد".

من بين التعليقات الشائعة على تويتر وإنستغرام:

"تحول المهرجان من احتفال بالفن إلى عرض أزياء شبه عارية!"

"كل سنة بنشوف تحدي جديد: من تلبس أقل؟"

"حرية اللباس لا تعني التعرّي الكامل، خاصة في حدث عالمي يشاهده الأطفال والعائلات."

وسائل الإعلام: مشاركة في التضخيم أم ناقل للواقع؟

لم تكن منصات التواصل وحدها من غذّى الجدل، بل ساهمت الوسائل الإعلامية الغربية في تضخيمه، من خلال التركيز الكبير على الإطلالات

المثيرة على حساب النقاشات السينمائية، بل وأحياناً تصدرت هذه الإطلالات الصفحات الأولى دون الإشارة إلى الأفلام المشاركة.

وبحسب محللين، فإن هذه التغطية المتواصلة لإطلالات "جريئة" تُكرّس لصورة مهرجان كان بوصفه مهرجاناً بصرياً أكثر منه سينمائياً.

الأزياء كوسيلة للتمرد والتعبير

يبرر البعض هذه الإطلالات بأنها أشكال من التمرد الفني والتعبير عن قضايا اجتماعية أو نسوية، مثل رفض التقاليد أو كسر قيود الجسد أو دعم "حرية الجسد". بعض النجمات صرّحن بأن فساتينهن تمثل رسالة ضد الكبت أو محاربة التمييز.

لكن هذا التبرير لم يقنع الجميع، خصوصاً حين يُنظر إلى الإطلالات بوصفها مسعى للفت الأنظار فقط، بعيداً عن أي قيمة حقيقية أو تعبير فني واعٍ.

القيم الثقافية المتباينة وتأثير العولمة

ما يُعتبر عادياً في باريس أو نيويورك، قد يُعد فضيحة في القاهرة أو الرياض أو نيودلهي. هذا التباين الثقافي في تفسير "اللباس اللائق" يجعل من السجادة الحمراء ساحة لصدام القيم، خصوصاً في زمن العولمة، حيث تتقاطع الثقافات وتتداخل بحدود غير واضحة.

الجمهور العربي تحديداً، الذي يتابع المهرجان بشغف، يجد نفسه أمام مشهد لا يعكس أذواقه ولا يراعي خصوصيته الثقافية، مما يعزز شعوراً بالاستفزاز أو الإقصاء من المشهد العالمي.

حدود الموضة: هل من معايير؟

لا توجد معايير قانونية واضحة تفرض ضوابط على الملابس في مهرجان كان، لكن بعض التقارير تشير إلى أن إدارة المهرجان ناقشت داخلياً وضع خطوط حمراء بعد تكرار الجدل، خصوصاً بعد الشكاوى التي وردت من بعض الرعاة والمتابعين المحافظين.

ومع ذلك، لم تصدر أي لائحة رسمية بهذا الخصوص حتى الآن، مما يفتح الباب واسعاً أمام النجمات ودور الأزياء للمزيد من الجرأة.

لماذا يُفضّل البعض الملابس الكاشفة على
السجادة الحمراء؟

يرى خبراء الموضة أن الفستان "الجريء" يحظى بتغطية إعلامية أوسع، ما يرفع من أسهم الفنانة في وسائل الإعلام، ويزيد فرصها في عقود الإعلانات. هذا ما يدفع بعض النجمات لاختيار فساتين تكسر التقاليد عمداً.

كما أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تعزيز هذا التوجه، حيث أصبحت "الصورة المثيرة" على إنستغرام قادرة على جذب ملايين المشاهدات، ما يحول الإطلالة إلى "أداة تسويق" بحد ذاتها.

ردود الفعل الرسمية: صمت أم تواطؤ؟

رغم تكرار الجدل، لم يصدر عن إدارة مهرجان كان أي موقف رسمي يدين أو يبرر الإطلالات الاستفزازية، ويُعتقد أن إدارة المهرجان تتبع سياسة "الحياد" للحفاظ على طابعها العالمي.

لكن هذا الحياد، برأي البعض، ليس بريئاً، بل يشكل نوعاً من التواطؤ الصامت مع دور الأزياء التي تستثمر في مثل هذه الإطلالات لكسب زخم إعلامي.

هل آن أوان إعادة تعريف الجمال والموضة؟

في ظل تزايد الانتقادات، بدأ البعض يُطالب بإعادة تعريف معايير الجمال والموضة، بحيث تتجاوز الجسد المكشوف إلى ما هو أعمق وأرقى. فهل يمكن لمهرجان كان أن يعود إلى جذوره الفنية والإنسانية؟ أم سيستمر في الانجراف نحو الإثارة البصرية الفارغة؟

تحوّلت السجادة الحمراء في مهرجان كان من منصة للتألق الفني إلى حلبة مفتوحة للاستفزاز البصري. وبين من يراها حرية تعبير، ومن يصفها بانحدار في الذوق، يبقى السؤال مفتوحاً: أين تقف حدود الموضة؟ وهل ينبغي على المهرجانات العالمية أن تراعي تعددية القيم الثقافية، أم أنها ستبقى أسيرة المفهوم الغربي لحرية الجسد؟

المشهد يتكرر كل عام، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الثقافية، بين التعبير عن الذات واحترام الآخر، وهو ما يتطلب وعياً من الفنانين، ودوراً أكبر من

المؤسسات المنظمة، وجمهوراً نقدياً لا يكتفي بردود الفعل الغاضبة، بل يشارك في إعادة رسم خريطة الذوق العام العالمي.

تم نسخ الرابط