في هذه القرية يتزوج أبناء العم وأبناؤهم يدفعون الثمن الآن

لمحة نيوز

يُعتبر زواج أبناء العمومة ممارسة اجتماعية متجذرة في بعض المجتمعات التقليدية، تستند إلى دوافع تاريخية وثقافية مثل تعزيز تماسك العائلة والمحافظة على الثروات العائلية. بيد أن الاستمرار في هذه الزيجات أسفر عن ارتفاع نسبة الأمراض الوراثية الناتجة عن الجينات المتنحية، وزيادة أعباء التكاليف الاقتصادية على الأسر ونظم الرعاية الصحية. اليوم، يواجه المجتمع تحديات كبيرة بسبب ضعف الوعي بأهمية الفحص الجيني قبل الزواج، مما يستدعي إطلاق برامج توعوية وصحية مجتمعية، ودعم السياسات الحكومية والمبادرات الأهلية للحد من الآثار السلبية لهذه الظاهرة.

المقدمة

تُعرف الزيجات القرابة بأنها تلك التي تجمع شريكين يرتبطان بصلة دم قريبة، وغالبًا ما تكون زواج أبناء العم (ابن أو ابنة العم) من جهة الأب أو الأم. تنتشر هذه الظاهرة في مناطق ريفية وبعض القبائل، وتتفاوت نسبتها بين الدول: إذ تقدر بنحو 29% في مصر، وحوالي 58% في السعودية، وأكثر من 60% في باكستان.

الخلفية الثقافية والاجتماعية

تعزيز الروابط العائلية

يُعتقد أن زواج أبناء العمومة يقوّي الروابط الأسرية ويُعمّق التلاحم الاجتماعي، إذ تظل المصالح والممتلكات محصورة داخل العائلة الممتدة، مما يرسخ الثقة والتعاون

بين الأفراد.

تقليل التكاليف المالية

تساهم هذه الزيجات في خفض نفقات المهر والمناسبات الاجتماعية، كما يسهل الاتفاق المالي والإجرائي بين العائلتين لكونهما على دراية مسبقة بإمكانيات بعضهما وحاجاتهما.

الحفاظ على الميراث

من الدوافع الاقتصادية الأساسية ضمان انتقال الأراضي والعقارات داخل الأسرة المباشرة دون ضياعها لصالح جهات خارجية، ما يعزز استقرار الثروة داخل العائلة الممتدة.

التأثيرات الصحية والوراثية

مخاطر الأمراض المتنحية

يزيد احتكاك الجينات المتنحية عند زيجات الأقارب من احتمال ظهور أمراض وراثية لدى الأبناء، نتيجة حمل كلا الزوجين لنفس الجينات المسببة لهذه الأمراض.

الإحصاءات العالمية

في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تشكل مواليد الجالية الباكستانية نسبة ضئيلة من إجمالي المواليد، لكنها تمثل نسبة كبيرة من حالات الاضطرابات الوراثية، مع ارتفاع معدلات وفيات الرضع لأسباب خلقية مقارنةً بالسكان الآخرين.

العبء على نظام الرعاية الصحية

تستلزم معالجة الأمراض الوراثية المزمنة متابعة طبية متواصلة ورعاية متخصصة، ما يزيد من أعباء الإنفاق على الخدمات الصحية الحكومية والخاصة.

التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية

ضعف الاستثمار في التعليم

تشير

بعض الدراسات إلى أن الأسر التي تنتشر فيها زيجات أبناء العم قد توجه جزءًا أكبر من مواردها المالية لعلاج الأبناء المحتمل إصابتهم بأمراض وراثية، مما يقلل من قدرتها على الاستثمار في تعليمهم.

التكاليف الأسرية المباشرة

تشمل المصاريف المتعلقة بالكشف الجيني قبل الزواج، وعلاج الحالات ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر ويؤثر سلبًا على مستوى المعيشة واستقرار الدخل الشهري.

الوصمة الاجتماعية

قد تتعرض العائلات المتضررة من الأمراض الوراثية للتمييز والعزلة الاجتماعية، ما يولد شعورًا بالعار والوصمة لدى الأفراد المصابين.

التحديات الحالية

محدودية الوعي الصحي

لا يزال الوعي بأهمية الفحص الجيني قبل الزواج منخفضًا حتى بين الفئات المثقفة، مما يعيق الاستفادة من التقنيات الحديثة للحد من انتشار الأمراض الوراثية.

نقص برامج التثقيف والدعم

تندر المبادرات الحكومية والمجتمعية التي تقدم استشارات قبل الزواج وتربط المقبلين على الزواج بالأخصائيين الصحيين، مما يقلل من فرص الوقاية والتدخل المبكر.

الحواجز الدينية والثقافية

ترفض بعض المجتمعات الخارجية التدخّل في قرارات الزواج العائلية، معتبرةً أن هذه المسائل شأن خاص لا يجوز التدخل فيه

إلا بما لا يتعارض مع القيم الدينية والثقافية.

مقترحات وحلول ممكنة

تشجيع الفحص الجيني ما قبل الزواج

إطلاق برامج للكشف الجيني في المراكز الصحية بتكاليف منخفضة أو مجانًا، مدعومة بحملات توعوية يشارك فيها رجال الدين والمثقفون لتبديد المخاوف وتحفيز الإقبال.

التثقيف الصحي والاجتماعي

تنظيم ورش عمل ومحاضرات في المدارس والجامعات للتعريف بمخاطر الزواج من الأقارب، والاستعانة بحالات واقعية لأسر تحملنت تبعات صحية واقتصادية.

تطوير السياسات الحكومية

إصدار تشريعات تشجع على إجراء الفحص الجيني اختياريًا وتبسيط الإجراءات الإدارية لمن يثبت لديهم خطر جيني، بما يحقق توازنًا بين الحرية الشخصية والحماية الصحية.

إشراك القطاع المدني

دعم جمعيات أهلية لتقديم الاستشارات الأسرية والطبية، وبناء شبكات تواصل بين العائلات والأطباء والأخصائيين الوراثيين لتعزيز التوعية وتسهيل الوصول للخدمات.

الخاتمة

يبقى زواج أبناء العمومة جزءًا من الهوية الثقافية في بعض المجتمعات، ويحمل مكاسب اجتماعية واقتصادية، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات صحية واقتصادية واجتماعية. وللتعايش مع هذا التقليد بالحد الأدنى من المخاطر، لا بد من رفع الوعي الصحي، وتيسير الفحص الجيني، وتعزيز

أدوار الجهات الحكومية والمجتمع المدني في نشر المعرفة وتقديم الدعم للأسر.

تم نسخ الرابط