عرض نوغوتشي في الليل يجمع بين النحت الرائد والرقص والتميز الطهوي

لمحة نيوز

مقدمة

في مساء الجمعة التاسع من مايو 2025، احتضن متحف إيسامو نوغوتشي بنيويورك فعالية استثنائية حملت عنوان «نوغوتشي في الليل»، جسّدت التقاء ثلاث فنون في آن واحد: النحت المعماري الرائد، والرقص التعبيري الراقي، وفنون الطهي المتجددة. جاءت هذه الأمسية الخاصة امتدادًا لاحتفالات المتحف بالذكرى الأربعين لتأسيسه، وقد تحول بهو المتحف وقاعاته إلى فضاء نابض بالحياة والحواس، حيث شكّلت منحوتات نوغوتشي الرفيعة خلفية بصرية تنسجم مع حركات الراقصين وتفاصيل الأطباق الشهية، فأبدع المنظمون مزيجًا فريدًا من الإبداع والحسّ الجمالي.

خلفية المتحف وإرث إيسامو نوغوتشي

تأسيس المتحف ورؤيته

تأسس متحف إيسامو نوغوتشي عام 1985 بجهد الفنان والمهندس المعماري الياباني-الأمريكي إيسامو نوغوتشي نفسه، الذي صمّم المبنى ليتناغم مع فلسفته الفنية في دمج الفضاء المادي مع الروحي. منذ الافتتاح، انطلق المتحف كمنصة حية لعرض أعماله المتنوعة التي تجمع بين النحت، والتصميم الصناعي، والفن التجريبي، مع الحفاظ على تجربة الزائر كمشاركٍ أساسي في الحوار بين العمل الفني والفراغ المحيط به.

فلسفة الفن والفراغ

تميّز نوغوتشي بتعامله الفريد مع المواد الصلبة كالحجر والخشب والمعادن، معتبرًا الفراغ نفسه عنصرًا مصمّمًا يكمّل الكتل الصلبة. يرى نوغوتشي أن الفراغ يخلق إمكانيات للحركة والتأمل، وأن تفاعل الضوء والظل مع الأجسام المادية يولّد تجارب حسية جديدة. وقد رسّخت هذه الرؤية جسرًا بين النحت

والعمارة، لتتيح للمتلقي أن يعيش العمل الفني من داخل فضائه لا أن يكتفي برصيده المرئي فحسب.

الرقص والمسرح: إرث تعاون مارثا غراهام وإيسامو نوغوتشي

تاريخ الشراكة الفنية

امتدت العلاقة الإبداعية بين أيقونة الرقص الحديث مارثا غراهام ونوغوتشي إلى ثلاثينيات القرن العشرين. فقد صمم نوغوتشي ديكورات مسرحية لعروض غراهام، من أشهرها مسرحية «Applachian Spring» عام 1944، التي مثلت قمة التناغم بين التعبير الجسدي للراقصين والتكوينات المجردة للمناظر الفنية. شكّلت تلك العروض نموذجًا للتعاون بين فنون مختلفة، وأسّست لتراث فني يتجاوز حدود كل تخصص.

عروض «نوغوتشي في الليل»

في هذه الليلة، قدمت شركة مارثا غراهام للرقص أربعة قطع مختارة بعناية، لالتقاط تناغم الحركة مع المنحوتات:

Spectre–1914
جسّدت شين يينغ في هذا العمل روح الذاكرة والحنين، بينما اندمجت ملامح المنحوتات الناعمة مع إضاءة دافئة، فتجلت الملهاة بين الجثة والفضاء.

Lamentation
أدتها ليزلي أندريا ويليامز، حيث شكلت منحوتة حجرية صلبة خيوط الحزن والحركة التعبيرية التي تنسجم وتتصادم، فاستعادت التجربة حس الألم والأمل في آنٍ واحد.

Ekstasis
في حفل الأضواء الخافتة، أدت سو يونغ آن هذا العمل بانسجامٍ تام مع المنحوتات العضوية، فأفرزت مشهدًا تأمليًا بين الإيقاع الداخلي للراقصة وانسيابية الحجر.

Satyric Festival Song
حمل العرض طابعًا فكاهيًا تعبيريًا بالقفشات الجسدية، وقدمت لوريل دالي سميث أداءً يعكس

روح الفرح الساخر، وسط مسرحية تجريدية من تصميم نوغوتشي.

توالدت من هذه القطع لحظات درامية وبصرية، حيث تبادل الركن الحركي والركن النحتي الدور في سرد الحكاية الفنية.

التميز الطهوي: إبداع الشيف كييو شينوكي

تصميم قائمة مأكولات متكاملة

تولى الشيف الياباني الحائز على جوائز كييو شينوكي مهمة ابتكار أطباق تتماهى مع طابع المساء الفني. ارتكزت قائمته على الدمج بين بساطة المطبخ الياباني وتقنيات الطهو الفرنسي الراقية، فبرزت فيها:

تارتار السلمون المدخن بلمسة يوزو
مزيج من أنسجة السلمون الناعم ونكهة الحمضيات الخفيفة، قدّم في قوالب هندسية تتماشى مع أشكال المنحوتات.

كريم الجزر بالترياكي والزنجبيل
طبق دسم وخفيف في آنٍ واحد، حيث استُخدم صلصة الترياكي لترابط نكهات الجزر المحمّصة مع الزنجبيل الطازج.

لفائف السوشي الباردة
اختيارات متنوعة من السمك الطازج، رتّبت بأسلوب زخرفي يوازي التفاصيل الدقيقة في أعمال نوغوتشي.

كوكتيلات مبتكرة

استكملت تجربة الذوق مجموعة من الكوكتيلات المُعدة بالتعاون مع Suntory Global Spirits، التي مزجت بين نكهات الأرز المخمّر والأعشاب العطرية، وأضافت لمسةٍ فنية على جولة التذوّق. تم تقديم المشروبات في كؤوس شفافة متدرجة الألوان، لتكون جزءًا من المشهد التأملي للعشاء.

تنسيق الحدث وتجربة الزوار

تحويل القاعات إلى فضاءات حركية

عمل فريق تنسيق المتحف على تقسيم المساحة إلى مناطق متداخلة حول المنحوتات، مع منح الضيوف حرية الحركة

بين المحاور المختلفة. اعتمدت الجلوسات على كراسي منخفضة متنقلة تعكس فكرة الانصهار بين الجمهور والعمل الفني.

الإضاءة والصوت

استُخدمت تقنية الإضاءة المتحركة التي تتبع مواقع الراقصين بمنحىٍ مسرحي، لتسليط الضوء على تفاصيل المنحوتات ومنح العرض بعدًا ديناميكيًا. فيما تولّت موسيقى تصويرية مزيجًا من مقاطع آرون كوبلاند الكلاسيكية وألحان معاصرة لملحنين يابانيين، فخلقت خلفية صوتية تنسجم مع الإيقاع الحركي والهدوء الحجري في آنٍ معًا.

الأثر والأهمية

الاحتفاء بالإرث والتجديد

لم تكن ليلة «نوغوتشي في الليل» مجرد حدث فني، بل كانت احتفاءً برؤية نوغوتشي الغنية التي تربّع فيها التفاعل بين الأعمال الفنية والفضاء والإنسان. أكّد الحدث على أهمية الحفاظ على هذا الإرث وتجديده عبر شراكات تمتد لأصناف فنون مستقلة.

إلهام للمستقبل

قدّم الحدث نموذجًا لتجارب شاملة متعددة الحواس، وفتح آفاقًا أمام الفنانين والمصممين لاستكشاف مزيد من التكامل بين الرقص والنحت والطهي والموسيقى. وهو بذلك يشجّع الأجيال الجديدة على تجاوز حدود التخصص الواحد نحو مساحات إبداعية أكثر اتساعًا.

خاتمة

شكلت ليلة التاسع من مايو 2025 تحت شعار «نوغوتشي في الليل» محطة فارقة في تاريخ متحف إيسامو نوغوتشي، إذ جمعت بين عبقرية النحت، وتألق الرقص التعبيري، وإبداع الطهي الراقي في فعالية واحدة. لقد أسهم هذا اللقاء بين الفنون في تعزيز فهمنا لأهمية التجارب المتنوعة التي تنسجم معًا لتخلق لحظات لا تُنسى،

وتؤكد أن الفن لا يعرف حدودًا، بل هو حوار مستمر بين مواد وأجساد وأذواق وأماكن، ينبض بالحياة في كل لحظة.

تم نسخ الرابط