تصنيف السعادة: يعتمد على مؤشرات البيئة والاقتصاد والصحة

لمحة نيوز

تصنيف السعادة العالمي: كيف تحدد البيئة والاقتصاد والصحة مستوى رفاه الشعوب؟
مؤشرات تتجاوز الابتسامة... وخرائط جديدة للسعادة حول العالم

في كل عام، تتجه أنظار العالم إلى تقرير السعادة العالمي، الذي يصدر برعاية الأمم المتحدة ومراكز أبحاث متخصصة، ويصنف دول العالم وفقًا لمستوى الرفاه والسعادة التي يشعر بها سكانها. هذا التقرير، الذي يُعد مرجعًا مهمًا في السياسات العامة، لا يُبنى على انطباعات أو مشاعر عابرة، بل يستند إلى مجموعة من المؤشرات الدقيقة، يأتي على رأسها: الوضع الاقتصادي، وجودة البيئة، ومستوى الرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، والحرية الشخصية، وغياب الفساد.

لكن ما الذي يجعل شعبًا ما أكثر سعادة من غيره؟ ولماذا تتصدّر دول الشمال الأوروبي غالبًا هذا التصنيف، بينما تتراجع دول ذات موارد ضخمة خلفها؟ وماذا عن العالم العربي؟

في هذا التقرير، نغوص في عمق المعايير التي تقيس السعادة، ونكشف لماذا أصبحت البيئة والصحة والاقتصاد مفاتيح حقيقية للبهجة الجماعية.

الاقتصاد ليس كل شيء… لكنه البداية

رغم أن المال لا يشتري السعادة، إلا أن مؤشرات الاقتصاد تُعد من العوامل الأساسية في قياس جودة الحياة. فمتوسط دخل الفرد، ومستوى الناتج المحلي الإجمالي للفرد،

ومدى توافر الوظائف والفرص الاقتصادية، تُسهم بشكل مباشر في إحساس الأفراد بالأمان والقدرة على تحقيق الطموحات.

ومع ذلك، يُحذر الخبراء من المبالغة في ربط السعادة بالثروة. فدول مثل الولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية، لا تتصدر القائمة، بعكس دول مثل فنلندا والنرويج، التي تتمتع باقتصادات قوية، ولكن ليست الأكبر في العالم، بل الأكثر عدالة في التوزيع والدعم الاجتماعي.

البيئة... عامل صاعد في معادلة السعادة

في السنوات الأخيرة، أصبح معيار جودة البيئة جزءًا لا يُمكن تجاهله في قياس سعادة الشعوب. فالأفراد الذين يعيشون في مدن خضراء، نظيفة، ذات هواء نقي، ونظام نقل صديق للبيئة، يشعرون برفاهية يومية تؤثر إيجابيًا على صحتهم النفسية.

ووفقًا لتقرير السعادة الأخير، فإن الدول التي تستثمر في الطاقة المتجددة، وتقلل من التلوث، وتوفر مساحات عامة خضراء، تحصل على درجات أعلى في تصنيف شعوبها من حيث الرضا العام.

ويُظهر التقرير أن فنلندا، السويد، والدنمارك تُعد من الدول الأكثر التزامًا بسياسات بيئية ذكية، وهو ما ينعكس مباشرة على ترتيبها في تصنيف السعادة.

الصحة النفسية والجسدية... ركيزة أساسية للسعادة

لا يمكن الحديث عن السعادة دون التوقف عند الصحة العامة.

فالدول التي توفر نظام رعاية صحية شامل، مجاني أو ميسّر، وتحظى بمعدلات عمر متوقعة مرتفعة، وتنخفض فيها نسب الاكتئاب والانتحار، تكون أكثر قدرة على تحقيق رفاه شعوبها.

ويشير التقرير إلى أن الثقة في النظام الصحي تُعتبر أحد أهم العوامل النفسية التي تمنح الأفراد شعورًا بالطمأنينة، خصوصًا في أوقات الأزمات مثل جائحة كورونا.

كذلك تلعب الصحة النفسية دورًا مهمًا، إذ تُقدّر نسبة السعادة الشخصية بحسب قدرة الأفراد على الوصول إلى خدمات علاج نفسي، ووجود دعم اجتماعي يُخفف من الضغط والقلق.

الحرية والدعم الاجتماعي... سعادة معنوية لا تُقاس بالمال

يمنح التقرير وزنًا كبيرًا لمؤشر الحرية في اتخاذ القرار، وهو ما يعني أن المواطنين الذين يشعرون بحرية التعبير، والتنقل، واختيار نمط حياتهم، يكونون أكثر سعادة.

كذلك يُعد الدعم الاجتماعي مكونًا أساسيًا، ويقاس من خلال سؤال بسيط: "هل يوجد من يمكنك الاعتماد عليه وقت الشدة؟". هذا السؤال، رغم بساطته، يعكس مدى الترابط المجتمعي، وهو عامل نفسي مهم في تشكيل الشعور بالطمأنينة.

ماذا عن الدول العربية؟

رغم أن بعض الدول العربية حققت تحسنًا في التصنيف، مثل الإمارات والسعودية، إلا أن معظمها لا يزال في المراتب المتوسطة أو المتأخرة.

ويُعزى ذلك إلى تحديات اقتصادية، وأزمات سياسية، وغياب الاستقرار البيئي في بعض المناطق.

الإمارات، على سبيل المثال، جاءت في صدارة الدول العربية، بفضل استثماراتها في الصحة والبيئة والبنية التحتية، وكذلك بسبب برامجها الهادفة لتحسين جودة الحياة.

لكن العديد من الدول الأخرى تعاني من فجوات في توزيع الثروة، وضعف أنظمة الصحة، وتحديات بيئية مثل ندرة المياه وتلوث الهواء، ما ينعكس سلبًا على مؤشرات السعادة.

السعادة: مسؤولية حكومية ومجتمعية مشتركة

توصي تقارير السعادة بضرورة أن تتحول مؤشرات الرفاه من "ترف إعلامي" إلى سياسات وطنية. فالسعادة، كما يقول الباحثون، ليست شعورًا فرديًا فقط، بل مشروع تنموي متكامل، يتطلب تكاتف الحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، لتحسين جودة الحياة على كل المستويات.

خلاصة القول: السعادة تقاس بما هو أعمق من الابتسامة

في زمن تتسارع فيه التحولات البيئية والاقتصادية والصحية، لم يعد يكفي أن نبحث عن السعادة في الوجوه أو في مؤشرات سطحية. بل باتت السعادة مفهومًا استراتيجيًا يُبنى على أرضية من العدالة، والبيئة الصحية، والنظام الاقتصادي المتوازن، والدعم المجتمعي.

ومن هنا، فإن الدول التي تنجح في تحسين هذه المعايير، لا تمنح

شعوبها أسبابًا للابتسامة فقط، بل تمنحهم حياة تستحق أن تُعاش.

تم نسخ الرابط