فيلم مهمة مستحيلة انتقادات لاذعة حول الحبكة و تكرار المشاهد

لمحة نيوز

مهمة مستحيلة: عندما تتحول الإثارة إلى تكرار ممل

لطالما ارتبط اسم  مهمة مستحيلة  بالإثارة والدهشة، فقد أسس هذا الامتياز السينمائي منذ بداياته مزيجًا فريدًا من التجسس، والتقنيات الخارقة، والمشاهد المليئة بالحركة المتقنة. ومع كل إصدار جديد، كان الجمهور يترقب مغامرة جديدة تفوق سابقتها، لكن يبدو أن السلسلة، رغم نجوميتها وتألقها التقني، بدأت تقع في فخ التكرار والجمود السردي.

في الإصدار الأخير من الفيلم، لم يكن من الصعب ملاحظة أن الحبكة تتهاوى تحت ثقل التوقعات العالية. فرغم أن الفيلم يحاول جاهداً أن يبدو معقدًا ومتشعبًا، إلا أن البناء القصصي يكاد يخلو من العمق الحقيقي، ويفتقر إلى تلك المفاجآت التي كانت تجعل المشاهد يحبس أنفاسه. ما نشاهده هو إعادة تدوير لذات الفكرة: عميل سري يواجه خطرًا عالميًا، يتنقل بين المدن، يتورط في مؤامرات دولية، ثم يُنقذ الموقف في اللحظة الأخيرة. الفكرة في حد ذاتها ليست سيئة، لكنها باتت مستهلكة إلى حدٍ يُفقد الفيلم عنصر المفاجأة.

من أولى اللحظات، يبدأ الفيلم بمشهد مطاردة عالية السرعة، واشتباك بدني مكثف، وكأن الفريق الإبداعي

أراد أن يُغرق الجمهور بالإثارة قبل أن يمنحهم فرصة لفهم دوافع الشخصيات أو الإحساس بثقل المأزق. هذه البداية، رغم جمالها البصري، تعكس مشكلة أكبر: الاعتماد المفرط على الحركات البهلوانية والمؤثرات الخاصة كبديل عن قصة قوية ومحكمة.

واحدة من أبرز الانتقادات التي وُجهت لهذا الجزء هي التشابه الكبير في بنية الأحداث مع الأجزاء السابقة. فحتى المتابع غير المتعمق يمكنه التنبؤ بما سيحدث لاحقًا، لأن السيناريو يسير في مسارات محفوظة. الشخصية الرئيسية، مهما بدا الوضع مستحيلًا، تنجو دومًا بفضل ضربة حظ أو جهاز غير متوقع. بينما يُفترض أن التوتر يتصاعد تدريجيًا، نجده يتحول إلى روتين مليء بالضوضاء البصرية دون أثر درامي حقيقي.

أما الشخصيات الثانوية، التي من المفترض أن تُغني التجربة، فتعاني من سطحية مزعجة. الحوارات مختصرة، الدوافع ضبابية، والعلاقات بين الشخصيات تبدو مصطنعة أكثر منها طبيعية. حتى لحظات التوتر العاطفي أو التضحية تبدو مدفوعة بمتطلبات السيناريو لا بتطور منطقي للشخصيات. لا يشعر المشاهد بالتعاطف الحقيقي، لأنه لا يعرف ما يكفي عن دوافع الأبطال ولا عن صراعاتهم الداخلية.

الإخراج،

من الناحية التقنية، لا يمكن إنكار جودته. فالمشاهد مصورة بإتقان، والمواقع المتنوعة تمنح الفيلم بعدًا بصريًا جذابًا. لكن الإبهار البصري وحده لا يكفي لإنقاذ فيلم يعاني من قلة الإبداع السردي. بدلاً من استخدام التكنولوجيا لتوسيع آفاق القصة، يتم استخدامها هنا كوسيلة لتغطية العيوب السردية.

الملفت للنظر أيضًا هو أن المشاهد الأيقونية التي اعتادت أن تكون عنصرًا أساسيًا في السلسلة – كالقفز من المباني أو التحليق بالمروحيات – أصبحت مكررة لدرجة تفقدها بريقها. صحيح أن توم كروز يقدم أداءً جسديًا مذهلاً كالعادة، لكن حتى هذا لم يعد كافيًا لجذب انتباه المشاهدين الذين يبحثون عن تجديد حقيقي في القصة. بل إن بعض المشاهد تبدو وكأنها مجرد استعراض عضلات أكثر منها أدوات لخدمة الحبكة.

الجانب الآخر من الإشكالية هو الإيقاع. فالفيلم، رغم طوله، لا يمنح مساحة كافية لبناء التوتر الدرامي أو لاستكشاف العلاقات بين الشخصيات. في كثير من الأحيان، يقفز من حدث إلى آخر بسرعة تجعل المتابع يشعر وكأنه يشاهد مجموعة مشاهد دعائية متتابعة لا فيلمًا مترابطًا. هذا التقطيع السريع، وإن كان يناسب جيلًا يتسلى

بمقاطع الفيديو القصيرة، إلا أنه يفتقر إلى العمق الذي يجعل التجربة السينمائية مجزية بحق.

من منظور أوسع، يمكن القول إن "مهمة مستحيلة" بات ضحية لنجاحه السابق. فالتوقعات التي بناها على مدار أكثر من عقدين أصبحت سيفًا ذا حدين. الجمهور يريد شيئًا جديدًا، والمبدعون يخشون الخروج عن القالب الذي أثبت نجاحه. النتيجة هي عمل سينمائي تقني متميز، لكنه إبداعيًا فقير، يكرر نفسه بشكل مفرط دون جرأة تُذكر.

في نهاية المطاف، فإن فيلم "مهمة مستحيلة" الأخير يطرح سؤالًا مهمًا: هل يكفي الاعتماد على اسم السلسلة ونجومية البطل ليصنع فيلمًا ناجحًا؟ ربما يكون الجواب، في عالم اليوم الذي يفيض بالمحتوى المتجدد، لا. الجمهور بات أكثر وعيًا، وأكثر تطلبًا، ولم يعد يرضى بالحركة من أجل الحركة فقط. يريد قصة تُحكى، وشخصيات تُبنى، ومشاعر تُلامس.

قد يكون الوقت قد حان ليعيد صناع "مهمة مستحيلة" النظر في نهجهم. فالمغامرة الحقيقية لا تكمن في القفز من أعلى الأبراج، بل في المغامرة بسرد جديد، وطرح مختلف، يكسر التوقعات ويُعيد السلسلة إلى مكانتها كعلامة فارقة في عالم الأكشن، لا مجرد استعراض بصري لما رأيناه

مرارًا وتكرارًا.

تم نسخ الرابط