وفاة الفنانة فدوى محسن عن عمر يناهز 84 عاماً
أعلنت الساحة الفنية السورية، أمس الاثنين، فقدان أحد أعمدتها البارزين برحيل الفنانة القديرة فدوى محسن عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد مسيرة امتدت لعقود من الزمن قدّمت خلالها أعمالاً خالدة تركت أثراً كبيراً في ذاكرة المشاهد العربي.
وجاء إعلان الوفاة على لسان نجلها، الفنان هامي البكار، الذي نشر خبر وفاة والدته عبر حسابه الرسمي على منصة إنستغرام، وسط موجة من الحزن والأسى التي عمّت الوسط الفني ومتابعي الدراما السورية.
كما نعتها نقابة الفنانين السوريين في بيان رسمي عبر صفحتها على فيسبوك، مؤكدة أن تفاصيل مراسم التشييع والعزاء ستُعلن في وقت لاحق.
من دير الزور إلى قلوب المشاهدين
ولدت فدوى محسن في 26 فبراير شباط عام 1941 في مدينة دير الزور شرق سوريا، المدينة العريقة التي أنجبت العديد من الأسماء الثقافية والفنية.
ومنذ صغرها، أبدت شغفاً كبيراً بالفن والتمثيل، فدخلت عالم المسرح في وقت مبكر من حياتها، وتحديداً في ستينيات القرن الماضي، حيث كانت البداية مع الفرق المسرحية الجوالة، التي شكلت أرضية خصبة لصقل موهبتها وتنمية قدراتها الفنية.
نقطة التحول: من المسرح إلى الشاشة الصغيرة
رغم بداياتها المسرحية، إلا أن الانطلاقة الحقيقية لفدوى محسن جاءت من خلال شاشة التلفزيون، حيث برزت بشكل لافت في تسعينيات القرن الماضي، وبالأخص في عام 1992 عبر مشاركتها في المسلسل الاجتماعي الشهير طرابيش، الذي كان بمثابة بوابة عبورها إلى قلوب المشاهدين السوريين والعرب.
ومنذ ذلك الحين، توالت مشاركاتها في العديد من الأعمال الدرامية التي شكلت رصيداً فنياً كبيراً لها.
أدوار الأم والمرأة الشعبية: أداء نابض بالواقعية
عرفت فدوى محسن بقدرتها اللافتة على تجسيد الشخصيات النسائية البسيطة والواقعية، لا سيما أدوار الأم والمرأة السورية الأصيلة، فكانت تمثل بجمال أدائها وعفويتها ما يشبه مرآة للمجتمع السوري، بما فيه من دفء وتناقضات.
وكان من أبرز أدوارها المحفورة في ذاكرة المشاهدين شخصية أم إبراهيم في الأجزاء الأولى من المسلسل الشهير باب الحارة، والتي أحبّها الجمهور وتعلق بها، حتى أصبحت هذه الشخصية مرادفة لاسمها، نظراً لما حملته من مشاعر الأمومة والحنان والشجاعة في آنٍ معاً.
حضور متنوع بين
الدراما المعاصرة والكوميدية والتاريخية
ما ميّز محسن عن غيرها من الفنانين هو تنوعها الفني، فقد استطاعت أن تتنقل بسلاسة بين الأعمال الدرامية المعاصرة، والأعمال التاريخية، والكوميدية، دون أن تفقد هويتها الفنية.
من أبرز مشاركاتها نذكر: قلوب صغيرة، ما ملكت أيمانكم، أبناء القهر، عصر الجنون، وعودة غوّار.
كما كان لها ظهور مميز في صرخة روح عام 2013، ما أظهر قدرتها المستمرة على تجديد نفسها والتفاعل مع أجيال جديدة من الممثلين والمشاهدين.
بصمة في السينما والمسرح
إلى جانب نجاحاتها التلفزيونية، كان لفدوى محسن حضورٌ لافتٌ في السينما السورية.
من أبرز مشاركاتها فيلم أمينة عام 2018، إلى جانب الفنانة نادين خوري، حيث ناقش الفيلم قضايا النساء ومعاناتهن في البيئات الصعبة، ولفت أنظار النقاد والجمهور.
كما شاركت في فيلم رد القضاء سجن حلب عام 2016، إضافة إلى أعمال سابقة مثل سفر الأجنحة.
أما في المسرح، فقد تألقت في العديد من العروض الكلاسيكية خلال السبعينيات والثمانينيات، منها الملك لير والزير سالم، حيث قدمت
مواقف صريحة تجاه الفن والدراما
لم تكن فدوى محسن فنانة صامتة في وجه التحولات التي شهدها الوسط الفني السوري، بل عُرفت بصراحتها وانتقاداتها الجريئة، حيث عبّرت في مقابلات سابقة عن استيائها من غياب النصوص القوية ولجوء بعض الفنانين إلى الشهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من الاعتماد على الموهبة والاجتهاد.
وكانت ترى أن أصالة الفن هي الأساس لأي عمل درامي ناجح، وهو ما جسّدته في كل أدوارها ومسيرتها الفنية الطويلة.
وداع مؤلم... وإرث باقٍ
برحيل فدوى محسن، تفقد الدراما السورية واحدة من أبرز رموزها الذين أسهموا في بناء هوية درامية محلية قريبة من الناس وواقعهم.
لقد استطاعت، من خلال صدقها الفني وتواضعها الإنساني، أن تبني جسوراً بين الفن والجمهور، وأن تترك إرثاً سيظل حاضراً في ذاكرة الأجيال.
وسيبقى اسمها حاضراً كلما عُرضت أعمالها على الشاشات، شاهداً على زمن الفن الجميل، حيث كانت الموهبة والاجتهاد والإحساس الصادق
رحم الله الفنانة فدوى محسن، وأسكنها فسيح جناته، وألهم عائلتها ومحبيها الصبر والسلوان.