هناك نوع من القردة يبكي عندما يحزن مثل البشر؟

منذ قديم الزمان، أبدى الإنسان فضولًا تجاه سلوكيات الحيوانات، خاصة تلك التي تُظهر مشاعر يُعتقد أنها حكرٌ على البشر. وبينما ظل البكاء العاطفي يُعد من السمات الفريدة للإنسان، بدأت بعض الدراسات الحديثة تثير التساؤلات: هل توجد كائنات أخرى، مثل القردة، تبكي عندما تحزن؟ وهل يمكن للبكاء أن يكون دليلًا على وجود وعي عاطفي متطور لديها؟

سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في طيّاته أبعادًا علمية ونفسية وفلسفية عميقة حول طبيعة الوعي، وعمق العاطفة في الكائنات غير البشرية.

الدموع ليست حكرًا على الإنسان

لأعوام طويلة، اعتقد العلماء أن البشر هم الكائنات الوحيدة التي تذرف الدموع لأسباب عاطفية. فبينما تنتج معظم الحيوانات دموعًا لترطيب أعينها وتنظيفها، لم يسبق أن لوحظت مخلوقات تبكي تأثرًا أو حزنًا... حتى بدأ بعض الباحثين بمراقبة سلوك القردة، خاصة الأنواع العليا منها مثل الشمبانزي والغوريلا والأورانغوتان.

في إحدى الدراسات التي نُشرت في العقد الأخير، لاحظ علماء سلوك الحيوان أن صغار بعض أنواع القردة تُظهر استجابات تبدو شديدة الشبه بالبكاء، خاصة عند الانفصال عن الأم أو الشعور بالخطر أو الإهمال. تكون هذه الاستجابات

مصحوبة بأصوات عالية، وتغيّر في تعبيرات الوجه، وتدفق واضح للدموع.

في إحدى الحالات الشهيرة، وثّق باحثون في محمية للحياة البرية في إفريقيا أنثى شمبانزي فقدت صغيرها بسبب مرض مفاجئ. جلست الأم بجوار الجثة لساعات، وظهرت عليها علامات الحزن الواضحة، ليس فقط في ملامح وجهها بل وفي تدفق دموع من عينيها – في مشهد يكاد يوازي حزن الإنسان على فقدان فلذة كبده.

هل البكاء دليل على الحزن؟

لكن السؤال العلمي الدقيق هنا: هل ما نراه هو بكاء حقيقي بدافع الحزن، أم مجرد إفراز بيولوجي؟

البعض من علماء الأعصاب يرى أن الربط بين البكاء والمشاعر لا يمكن تأكيده إلا بوجود دوافع عصبية وهرمونية مشابهة لتلك التي توجد في الإنسان. لكن دراسات أجريت على أدمغة القردة أثبتت وجود مناطق عصبية نشطة مشابهة لتلك التي تتفاعل في دماغ الإنسان عند الشعور بالحزن أو الفقد.

كما أظهرت القردة سلوكيات حداد معقدة، مثل الجلوس بصمت إلى جانب جثث القردة المتوفاة، أو الامتناع عن الطعام، أو العزلة الاجتماعية المؤقتة، وهي سلوكيات ترتبط عاطفيًا بالحزن.

التشابه العاطفي بين الإنسان والقردة

الإنسان والقردة يشتركون في نسبة كبيرة من المادة الوراثية، تصل

إلى نحو 98% في حالة الشمبانزي، وهي نسبة تدفع كثيرًا من العلماء للاعتقاد بأن القردة قد تمتلك أشكالًا من المشاعر المعقدة، وإن لم تكن بالضبط على نمط الإنسان.

تُظهر القردة أيضًا أشكالًا من التعاطف والمواساة، مثل احتضان القردة لبعضها البعض بعد مشاجرة، أو لمسات ناعمة تواسي بها الأم صغيرها، أو حتى محاولات لإعادة الهدوء ضمن الجماعة بعد توتر معين.

ووفقًا للباحثة البريطانية الشهيرة "جين جودال"، التي قضت سنوات طويلة تدرس سلوك الشمبانزي، فإن هذه الكائنات لا تختلف عاطفيًا عنا بقدر ما نعتقد. تقول جودال:

"عندما ترى شمبانزي حزينًا، ينكمش على نفسه، يئن، أو تنهمر دموع من عينيه، يصعب ألّا تشعر أنك أمام مخلوق يفهم الألم تمامًا كما تفهمه أنت."

الدموع: أداة تواصل عاطفي؟

الدموع، في الإنسان، ليست فقط تعبيرًا عن الحزن، بل أيضًا وسيلة للتواصل، تحمل رسائل غير لفظية مفادها أننا بحاجة إلى التعاطف أو الدعم. فهل تُستخدم الدموع في عالم القردة بنفس الطريقة؟

تشير بعض الدراسات إلى أن صغار القردة تبكي بصوت مرتفع وتظهر ملامح الضيق والدموع كوسيلة لجذب انتباه الأم أو المجموعة. هذه السلوكيات تُفسَّر على أنها أدوات تطورية

تساعد على البقاء، حيث تضمن رعاية أكبر للصغار.

لكن عند الكبار، تُصبح الدموع – إن وُجدت – جزءًا من طقوس الحزن، وغالبًا ما تُرافقها سلوكيات صمت وتأمل وانسحاب، ما يفتح الباب أمام تفسيرها على أنها تعبير داخلي حقيقي عن فقد أو ألم.

هل نعيد النظر في مكانة الحيوان؟

السؤال الفلسفي الكبير الذي يطرحه هذا الموضوع هو: إذا كانت القردة قادرة على الحزن والبكاء، فهل يعني ذلك أنها تمتلك وعيًا مشابهًا للإنسان؟ وإن كان كذلك، فهل يُحتّم علينا إعادة النظر في معاملتنا لهذه الكائنات؟

في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر أصوات تطالب بالاعتراف ببعض الحيوانات الكبرى، خاصة القردة والدلافين، كـ"كائنات واعية"، تستحق حقوقًا أخلاقية تحميها من القسوة والسجن غير المبرر.

خاتمة: نحن لسنا وحدنا في عالم العاطفة

البكاء كان يومًا يُعتقد أنه من سمات الإنسان وحده، لكنه قد لا يكون كذلك. فبينما نواصل اكتشاف أعماق المشاعر في عالم الحيوان، يتضح أن الحدود بين الإنسان وغيره ليست حادة كما كنا نظن. فالحزن، الألم، الفقد... كلها ليست مشاعر حصرية، بل ربما لغة كونية، تفهمها كائنات أخرى تشاركنا الحياة على هذا الكوكب.

ربما آن الأوان لننظر إلى القردة،

وغيرها من المخلوقات، ليس كمجرد "كائنات أقل" بل كأرواح تشعر وتبكي وتحزن... تمامًا مثلنا.

تم نسخ الرابط