جامعة القدس تعقد ورشة عمل لتأسيس كلية الطب البيطري

لمحة نيوز

جامعة القدس: ورشة عمل نوعية تُرسي حجر الأساس لكلية الطب البيطري الأولى من نوعها في الضفة

في خطوة طال انتظارها وتُعَدّ نقلة نوعية في المشهد الأكاديمي والمهني الفلسطيني، احتضنت جامعة القدس مؤخراً ورشة عمل محورية بعنوان "تأسيس كلية الطب البيطري: نحو تعزيز السيادة الغذائية والصحة العامة". هذه الورشة، التي تميزت بعمق محتواها وتنوع مشاركيها، لم تكن مجرد حدث روتيني، بل كانت خطة استراتيجية مجسَّدة تهدف إلى سدّ فجوة تعليمية حيوية ومواجهة تحديات تنموية ملحة في فلسطين.

أكثر من مجرد كلية: استجابة وطنية لتحديات متشعبة

انطلقت أعمال الورشة من تشخيص دقيق لواقع قطاع الثروة الحيوانية والصحة البيطرية في فلسطين:

ندرة الكوادر المؤهلة: الاعتماد شبه الكلي على خريجي جامعات خارج الضفة الغربية، مع صعوبات في الاعتراف المتبادل وملاءمة المهارات للسياق المحلي.

تحديات صحية واقتصادية: انتشار الأمراض الحيوانية العابرة للحدود (كحمى الوادي المتصدع، إنفلونزا الطيور)، وارتفاع نسب الهدر في الإنتاج الحيواني بسبب ضعف الرعاية الوقائية، وتداعيات ذلك على الأمن الغذائي ودخل المزارع الصغيرة.

غياب البنية الداعمة: محدودية المختبرات التشخيصية المتقدمة، وندرة المراجع البحثية الميدانية، وضعف التكامل بين البحث العلمي واحتياجات القطاعين العام

والخاص.

البعد البيئي: الحاجة الملحة لتعزيز دور الطب البيطري في مراقبة سلامة الأغذية ذات المصدر الحيواني، ومكافحة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان (Zoonoses)، والإدارة المستدامة للنفايات البيطرية.

ورشة العمل: حوار استراتيجي يبلور الرؤية والمسار

تميزت الورشة بتركيزها على الجودة والشمولية والاستدامة، وتمحورت جلساتها حول محاور أساسية:

الرؤية والرسالة: تحديد هوية الكلية المستقبلية كمركز تميز إقليمي يركز على الطب البيطري المجتمعي الوقائي، ويربط التعليم بالبحث العلمي التطبيقي وخدمة المجتمع.

المناهج الأكاديمية المتقدمة: مناقشة مقترحات لبرامج دراسية (بكالوريوس، مستقبلاً دراسات عليا) تُدمج أحدث المعايير العالمية (مثل متطلبات الجمعية الطبية البيطرية العالمية - OIE) مع التركيز على التحديات الفلسطينية الخاصة (الأمراض السائدة، طبيعة التربية الحيوانية).

البنية التحتية الضرورية: التخطيط التفصيلي لإنشاء مختبرات تشخيصية ومعامل بحثية متخصصة (علم الأمراض، الأحياء الدقيقة، التشريح، الجراحة)، مستشفى بيطري تعليمي، ومزارع نموذجية للتدريب العملي.

التأهيل البشري: وضع خطة لاستقطاب وتأهيل أعضاء هيئة تدريسية وباحثين ذوي كفاءات عالية، مع برامج تدريب مستمرة محلية ودولية.

الشراكات والتشبيك: التأكيد على أهمية التعاون

الوثيق مع وزارة الزراعة، الإغاثة الزراعية، اتحادات المزارعين والجمعيات البيطرية، القطاع الخاص (مصانع الأعلاف، مشاريع التربية)، والمؤسسات الدولية المانحة والخبرة.

الجوانب القانونية والتمويلية: استعراض المتطلبات القانونية للتأسيس والاعتماد المحلي والدولي، واستكشاف مصادر تمويل مستدامة (حكومية، دولية، وقفية، رسوم دراسية مع ضمانات للطلبة المحتاجين).

تميز في المشاركة وتفاعل غني:

ضمت الورشة نخبة استثنائية من:

خبراء دوليون من كليات طب بيطري مرموقة (مثل جامعة هانوفر بألمانيا، جامعة مونبلييه بفرنسا) قدموا نماذج ناجحة وتحذيرات من التحديات.

كفاءات فلسطينية مميزة من أطباء بيطريين ممارسين، وأكاديميين، وباحثين في مجال الزراعة والعلوم البيطرية.

صناع قرار من وزارتي الزراعة والتعليم العالي، ممثلين عن القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة.

طلبة دراسات عليا مهتمون بمجال الطب البيطري، قدموا منظور الجيل القادم.

تفاعل المشاركون في جلسات عصف ذهني وحلقات نقاش مكثفة، أسفرت عن توصيات عملية قابلة للتنفيذ، أهمها تشكيل لجنة توجيهية دائمة تضم الجامعة والجهات الشريكة الرئيسية للإشراف على مراحل التنفيذ.

انعكاسات مستقبلية: أثر يتجاوز جدران الجامعة

إن تأسيس كلية الطب البيطري في جامعة القدس يحمل وعوداً عميقة:

تعزيز

الأمن الغذائي: من خلال تحسين صحة الحيوان، خفض معدلات النفوق، وزيادة جودة وسلامة المنتجات الحيوانية (حليب، لحوم، بيض).

حماية الصحة العامة: عبر المراقبة الفعالة للأمراض المشتركة، والرقابة على الأدوية البيطرية والمتبقيات في الغذاء.

دفع عجلة التنمية الاقتصادية: خلق فرص عمل جديدة (أطباء، فنيون، باحثون، مستثمرون في الخدمات البيطرية)، دعم صغار المزارعين، وتقليل فاتورة الاستيراد للخدمات البيطرية.

الريادة البحثية: إنتاج أبحاث علمية تطبيقية تركز على حل مشكلات القطاع الزراعي والبيئي الفلسطيني.

الاستدامة البيئية: تطوير ممارسات بيطرية مسؤولة بيئياً في إدارة النفايات والموارد.

خاتمة: بذرة واعدة لمستقبل أكثر صحة وازدهاراً

ورشة العمل التي نظمتها جامعة القدس لم تكن مجرد نقاش أكاديمي؛ كانت إعلاناً عملياً عن التزام وطني ببناء قدرات محلية في مجال حيوي طال إهماله. إن تأسيس كلية الطب البيطري يمثل أكثر من إضافة تخصص جامعي؛ إنه استثمار استراتيجي في صحة الإنسان والحيوان والبيئة، ولبنة أساسية لتحقيق سيادة غذائية حقيقية واقتصاد أكثر مرونة. التحديات لوجستية ومالية، لكن الزخم الذي ولَّدته هذه الورشة، والرؤية الواضحة، والشراكات الفاعلة، تُبشر بولادة صرح علمي سيترك أثراً إيجابياً عميقاً على مستقبل فلسطين ورفاهية مواطنيها.

الأنظار تتجه الآن نحو جامعة القدس لترجمة هذا الحلم الورقي إلى واقع ملموس، خطوة بخطوة، نحو كلية طب بيطري فلسطينية رائدة.

تم نسخ الرابط