هبوط أول بعثة بشرية على الجانب المظلم من القمر بنجاح
في إنجاز غير مسبوق أعلنت وكالة الفضاء الصينية CNSA عن نجاح أول بعثة بشرية تهبط على الجانب البعيد أو المظلم من القمر وهو الجزء الذي لم يصل إليه أي إنسان منذ بدء مهام استكشاف الفضاء. هذا الحدث التاريخي يشكل لحظة محورية في سجل البشرية الفضائي ويؤكد على تقدم الصين المتسارع كقوة فضائية كبرى.
الجانب المظلم من القمر والذي يعرف علميا بالجانب البعيد ليس مظلما بالمعنى الحرفي بل يطلق عليه هذا الاسم لأنه لا يرى من الأرض بسبب التزامن بين دورانه حول نفسه ودورانه حول الأرض. هذا الجانب الذي يشكل نحو 41 من سطح القمر ظل لغزا علميا لسنوات طويلة ويتميز بتضاريس وعرة وفوهات تصادمية كثيفة مما جعله بيئة مثالية للبحث العلمي لكن تحديات الاتصال والتضاريس أخرت استكشافه البشري لعقود.
انطلقت البعثة من مركز الإطلاق الفضائي الصيني باستخدام صاروخ من طراز لونغ مارش 10 وعلى متنها فريق مكون من 3 رواد فضاء من ذوي الخبرة مزودين بتجهيزات تقنية متطورة. استغرقت الرحلة عدة أيام للوصول إلى مدار القمر وأجرت المركبة عدة مناورات معقدة قبل الهبوط بنجاح على سطح الجانب المظلم
ولضمان الاتصال المستمر مع الأرض استخدمت الصين القمر الصناعي تشويتشياو الذي يدور حول القمر ويعمل كوسيط اتصال بين الفريق على السطح ومراكز القيادة في الأرض. وبهذا تم التغلب على أكبر عائق تقني كان يمنع سابقا إرسال بعثات بشرية إلى هذا الجزء.
تسعى الصين من خلال هذه المهمة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية الدقيقة منها
تحليل التكوين الجيولوجي للجانب البعيد تم تجهيز المركبة بمختبرات مصغرة لتحليل الصخور والتربة بهدف دراسة الاختلافات بين جانبي القمر.
رصد الإشعاعات الشمسية والكونية عبر أجهزة قياس عالية الحساسية يمكن فهم تأثيرات الإشعاع الفضائي بعيدا عن الحماية المغناطيسية للأرض.
استكشاف إمكانية وجود جليد أو مياه بعض النظريات تفترض وجود آثار جليدية في الحفر العميقة ما قد يساعد مستقبلا في بناء مستعمرات بشرية.
اختبار تقنيات جديدة للهبوط والبقاء في بيئات فضائية معقدة تمثل هذه المهمة مختبرا ميدانيا لتجربة تكنولوجيا يمكن استخدامها لاحقا على سطح المريخ.
لاقى هذا الإنجاز ترحيبا واسعا في الأوساط
الباحثون في وكالة ناسا وصفوا المهمة بأنها قفزة نوعية في تاريخ المهمات القمرية وأكدوا أن المعلومات التي ستنتج عن هذه الرحلة سيكون لها تأثير بالغ على تخطيط البعثات المستقبلية بما فيها مشروع أرتميس الأميركي.
تأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من المشاريع الفضائية الكبرى التي أطلقتها الصين خلال العقدين الماضيين منها محطة تيانقونغ الفضائية وعدة مهمات غير مأهولة إلى القمر والمريخ. وتعد هذه البعثة جزءا من خطة 2045 التي تهدف إلى جعل الصين القوة الفضائية الأولى عالميا.
تشير تقارير رسمية إلى نية الصين بناء قاعدة بحثية دائمة على سطح القمر بحلول عام 2030 بالشراكة مع روسيا وربما دول آسيوية أخرى وهي الخطوة التي قد تعيد تشكيل مستقبل استكشاف الفضاء وتحويل القمر من مجرد هدف علمي إلى مركز عمليات فضائي دائم.
ورغم النجاح الأولي تواجه البعثة تحديات كبيرة في ما يتعلق بالبقاء في بيئة قاسية. درجات الحرارة المتطرفة ونقص الأوكسجين والإشعاعات العالية جميعها تمثل تهديدات مباشرة للرواد. ولكن تجهيز المركبة بأنظمة حماية حرارية وملاجئ إشعاعية متقدمة بالإضافة إلى دعم تقني من الأرض يمنح الطاقم فرصا جيدة للنجاة والعودة الآمنة.
من المقرر أن يقضي الفريق حوالي 7 أيام على السطح يجمع خلالها عينات ويجري تجارب ويرسل تقارير فورية. بعدها ستقلع المركبة من سطح القمر لتعود إلى الأرض حاملة معها واحدة من أغنى العينات القمرية التي تم جمعها حتى الآن.
يعد هبوط أول بعثة بشرية على الجانب المظلم من القمر علامة فارقة في تاريخ الاستكشاف الفضائي ويمثل انتصارا للعلم والإرادة البشرية على العوائق التقنية والطبيعية. كما يعكس بوضوح الطموح المتنامي للصين للهيمنة على المستقبل الفضائي.
مع هذا الإنجاز يتسع الأفق أمام البشرية نحو مستوطنات على القمر ومهام مأهولة إلى المريخ وتوسع غير مسبوق في فهمنا للفضاء. السؤال الذي يبقى من ستكون الدولة التالية التي تترك بصمتها على سطح لم ير