الأردن يعتزم طرح أول سند سيادي أخضر دولي هذا العام

لمحة نيوز

الأردن يعتزم طرح أول سند سيادي أخضر دولي هذا العام: خطوة تاريخية نحو التمويل المستدام

في تحرك استراتيجي يعكس التزام المملكة الأردنية الهاشمية بالتحول نحو اقتصاد أخضر مستدام، أعلنت الحكومة الأردنية اعتزامها طرح أول سند سيادي أخضر دولي خلال العام الجاري 2025. هذه الخطوة تشكل تطوراً بارزاً في سياسات التمويل الأردنية، وتفتح الباب أمام فرص استثمارية جديدة تدعم التنمية المستدامة وتقلل من الاعتماد على مصادر تمويل تقليدية تعتمد على الوقود الأحفوري.

مفهوم السندات السيادية الخضراء

قبل الغوص في تفاصيل الخطوة الأردنية، من المهم فهم طبيعة السندات السيادية الخضراء. السند الأخضر هو أداة دين تصدرها الحكومات أو المؤسسات لتمويل مشاريع ذات أثر بيئي إيجابي، مثل الطاقة المتجددة، والنقل المستدام، ومعالجة المياه، وتحسين كفاءة الطاقة. أما السند السيادي الأخضر تحديداً، فهو السند الذي تصدره حكومة دولة ما، ليكون التزاماً منها بتوجيه الأموال نحو مشاريع تحقق أهدافاً بيئية محددة ضمن إطار وطني أو دولي.

أهمية الخطوة الأردنية

طرح الأردن لأول سند سيادي أخضر يحمل دلالات عميقة، سواء من الناحية الاقتصادية أو البيئية:

التزام بالتنمية المستدامة: هذه المبادرة تؤكد سعي الأردن لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بحلول عام 2030، لا سيما الهدف السابع المتعلق بالطاقة النظيفة والهدف الثالث عشر المعني بالتصدي لتغير المناخ.

تنويع مصادر التمويل: في ظل الضغوطات المالية المتزايدة على الخزينة العامة وارتفاع كلفة الاقتراض التقليدي، تأتي السندات الخضراء كوسيلة ذكية لجذب مستثمرين

دوليين يبحثون عن فرص تمويل مستدام.

تعزيز الثقة الدولية: عبر هذه الخطوة، يُظهر الأردن التزامه بالمعايير الدولية للشفافية البيئية والحوكمة، ما يعزز من صورته كمركز إقليمي للتمويل المستدام.

التحضيرات الحكومية لإصدار السند

وفقاً لتصريحات وزارة المالية الأردنية، فإن الحكومة تعمل حالياً على تطوير "إطار تمويل أخضر سيادي" بالتعاون مع مؤسسات مالية دولية، لضمان أن جميع المشاريع التي سيتم تمويلها عبر السندات تفي بالمعايير البيئية المعترف بها عالمياً، مثل تلك التي وضعتها "مبادئ السندات الخضراء" الصادرة عن رابطة سوق رأس المال الدولية (ICMA).

تشمل هذه التحضيرات:

تحديد قائمة المشاريع المؤهلة التي سيتم تمويلها من عوائد السند.

وضع آليات مراقبة وتقييم شفافة توضح للمستثمرين كيفية استخدام العوائد البيئية المتوقعة.

العمل مع بنوك استثمارية دولية لترتيب عملية الإصدار وضمان الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية.

القطاعات المستهدفة

تتنوع المشاريع التي تخطط الحكومة لتمويلها عبر السندات الخضراء، أبرزها:

الطاقة المتجددة: دعم مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.

المياه والصرف الصحي: تحسين كفاءة شبكة المياه وتقنيات إعادة التدوير، خاصة في ظل شح الموارد المائية في البلاد.

النقل المستدام: توسيع خطوط النقل العام الصديق للبيئة، كالحافلات الكهربائية وخطوط السكك الحديدية.

كفاءة الطاقة في المباني: دعم برامج العزل الحراري وتحديث أنظمة الإضاءة والتكييف في المنشآت الحكومية والخاصة.

دور الشركاء الدوليين

يُشار

إلى أن إصدار هذا السند يتم بدعم فني ومؤسسي من مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي، إضافة إلى وكالات التنمية الأوروبية، ما يمنح العملية بعداً مؤسسياً ويعزز من مصداقيتها. كما يُتوقع أن تستفيد الحكومة من خبرات هذه المؤسسات في تقييم الأثر البيئي والاجتماعي للمشاريع، وتطوير تقارير دورية تفصيلية للمستثمرين.

الأثر المتوقع على الاقتصاد الأردني

تُعد هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين الوضع المالي للدولة، وخلق بيئة استثمارية أكثر جذباً. ويمكن تلخيص الأثر الاقتصادي المرتقب كما يلي:

خفض كلفة الاقتراض على المدى الطويل، حيث أن السندات الخضراء غالباً ما تلقى طلباً مرتفعاً من المستثمرين ذوي التوجهات البيئية.

تحفيز الابتكار المحلي في مجالات الطاقة والمياه، عبر توفير التمويل المطلوب لمشاريع ناشئة أو شركات صغيرة ومتوسطة.

تحسين التصنيف الائتماني للبلاد إذا ما تمت عملية الإصدار بنجاح وتم الالتزام بالمعايير البيئية والمالية الصارمة.

التحديات المحتملة

رغم الإيجابيات، تواجه الأردن تحديات كبيرة في طريقه لتنفيذ هذه المبادرة:

ضعف الوعي المؤسسي المحلي بأدوات التمويل المستدام.

محدودية قدرة بعض المؤسسات الحكومية على تطبيق معايير الإفصاح البيئي بشكل دقيق.

مخاوف المستثمرين من المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، والتي قد تؤثر على تسعير السند وجاذبيته.

ضرورة الحفاظ على شفافية التقارير والتقييمات لتفادي أية اتهامات بـ"الغسل الأخضر" (Greenwashing).

التجارب الإقليمية والدولية

يُذكر أن المغرب ومصر سبقتا الأردن في

إصدار سندات خضراء، مع نتائج متفاوتة. ففي مصر، أُصدر أول سند سيادي أخضر عام 2020 بقيمة 750 مليون دولار لتمويل مشاريع في قطاعات النقل والطاقة. أما المغرب، فقد ركّز على تمويل مشاريع تحلية المياه والطاقة الشمسية. وقد تُشكل هذه التجارب نماذج يُحتذى بها أو دروساً يُستفاد منها في التجربة الأردنية.

أما على المستوى الدولي، فقد أصدرت دول مثل فرنسا وألمانيا وإندونيسيا سندات خضراء ناجحة لتمويل مشاريع ضخمة في قطاعات البنية التحتية والمناخ، وبلغت القيمة الإجمالية للسندات الخضراء العالمية في عام 2024 أكثر من 600 مليار دولار.

نظرة مستقبلية

إذا تم إصدار السند بنجاح، سيكون الأردن من أوائل الدول العربية التي تبادر إلى إدخال أدوات تمويل مبتكرة ومستدامة ضمن سياساتها المالية، ما قد يشكل حافزاً لباقي دول المنطقة للسير في المسار ذاته.

ومن المتوقع أن تتوسع الحكومة الأردنية لاحقاً في طرح سندات أخرى، بما فيها:

السندات الاجتماعية التي تموّل مشاريع الرعاية الصحية والتعليم.

السندات الزرقاء المخصصة لحماية البيئة البحرية والمياه.

الخلاصة

طرح الأردن لأول سند سيادي أخضر دولي ليس مجرد خطوة مالية تقنية، بل هو إعلان واضح عن تحول في التفكير الاقتصادي والبيئي في المملكة. إنها محاولة جادة لربط النمو الاقتصادي بالعدالة البيئية، ولتعزيز موقع الأردن كلاعب نشط في الساحة العالمية للتمويل المستدام. نجاح هذا الطرح سيعتمد على دقة التنفيذ، وشفافية العملية، وقدرة الأردن على الإيفاء بوعوده للمستثمرين والبيئة في آن واحد.

وفي خضم التحديات العالمية المتزايدة المتعلقة بالمناخ والموارد،

يظهر الأردن اليوم كدولة صغيرة بحجمها الجغرافي، لكنها كبيرة في طموحها البيئي والاقتصادي، تسير بخطى واثقة نحو المستقبل الأخضر.

تم نسخ الرابط