قطر تدشن مشروع سكك حديدية يربط الدوحة بالشرق الأوسط

لمحة نيوز

قطر تطلق مشروع السكك الحديدية الإقليمي: هل يتحول الخليج إلى مركز عبور عالمي؟

"هل تعلم أن أكثر من 70% من حركة البضائع في الخليج تتم عبر الطرق البرية؟ فماذا لو تحولت هذه النسبة إلى سكك حديدية؟"

بهذا السؤال الاستهلالي، تفتح قطر صفحة جديدة في سجل مشاريعها الاستراتيجية، بإطلاق مشروع سكك حديدية طموح يربط الدوحة بدول الخليج والشرق الأوسط، في خطوة قد تعيد رسم خريطة النقل الإقليمي وتدفع نحو تكامل اقتصادي غير مسبوق.

جذور المشروع: من الحلم إلى التخطيط

بدأت فكرة الربط السككي بين دول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2003، حين أوصت قمة المجلس بإجراء دراسات جدوى لمشروع "قطار الخليج" الذي يربط الكويت جنوبًا بعُمان مرورًا بالسعودية، البحرين، قطر، والإمارات. لكن المشروع واجه تحديات سياسية واقتصادية عطّلت تنفيذه لأكثر من عقد.

في عام 2022، أعادت قطر والسعودية إحياء المشروع عبر اتفاقية ثنائية لتدشين خط سكك حديدية يربط الدوحة بالرياض، بطول يُقدّر بـ550 كيلومترًا، على أن يكون جاهزًا للتشغيل بحلول ديسمبر 2030. وقد تم اختيار شركة "سيسترا" الفرنسية

لإعداد دراسة الجدوى، في مؤشر على جدية التنفيذ.

تفاصيل المشروع: شبكة تربط الخليج وتخدم الشرق الأوسط

وفقًا لمجلس التعاون الخليجي، يمتد مشروع السكك الحديدية الإقليمي لمسافة 2117 كيلومترًا، تبدأ من الكويت شمالًا، مرورًا بالدمام، ثم تتفرع الشبكة إلى البحرين وقطر عبر جسرين بحريين، قبل أن تلتقي مجددًا عند منفذ سلوى الحدودي بين السعودية وقطر.

من هناك، تتجه الشبكة جنوبًا نحو الإمارات، ثم إلى سلطنة عُمان، وصولًا إلى العاصمة مسقط. وتُقدّر سرعة القطارات المخصصة لنقل الركاب بـ220 كلم/ساعة، بينما تتراوح سرعة قطارات الشحن بين 80 و120 كلم/ساعة.

وقد تم إنشاء "الهيئة الخليجية للسكك الحديدية" عام 2022 لتكون الجهة المشرفة على المشروع، وتم اعتماد ميزانيتها لعام 2024، إلى جانب المصادقة على اللوائح الفنية والإدارية الخاصة بالتنفيذ.

الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية: أكثر من مجرد قطار

يرى الخبير الاقتصادي القطري، الدكتور عبد الله الخاطر، أن المشروع يتجاوز كونه وسيلة نقل، ليصبح "جزءًا من الأمن القومي الخليجي والعربي". ويضيف: "في ظل التحديات الجيوسياسية،

لا بد من تجاوز المعوقات السياسية، فالتكامل الاقتصادي هو صمام الأمان".

من الناحية الاقتصادية، يُتوقع أن يسهم المشروع في:

خفض تكاليف النقل بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالشحن البري.

تعزيز التجارة البينية بين دول الخليج، التي لا تتجاوز حاليًا 10% من إجمالي تجارتها الخارجية.

أسهم المشروع في توليد وظائف متنوعة، سواء بشكل مباشر في قطاعات البناء والتشغيل، أو بشكل غير مباشر من خلال تحفيز الأنشطة اللوجستية والداعمة.

تحفيز الاستثمارات الأجنبية في المناطق الصناعية القريبة من محطات القطار.

كما أن المشروع ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030، التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط والغاز.

الجانب الإنساني: قصص من قلب المشروع

في حديث مع "أمينة"، مهندسة قطرية شابة تعمل ضمن فريق التخطيط في شركة "الريل"، تقول: "لم أتخيل يومًا أن أكون جزءًا من مشروع بهذا الحجم. نحن لا نبني سككًا فقط، بل نرسم مستقبلًا جديدًا للتنقل في الخليج".

أما "سالم"، سائق شاحنة من سلطنة عُمان، فيعبّر عن أمله بأن يخفف المشروع من ضغط العمل: "أقود يوميًا

أكثر من 800 كلم بين مسقط والدوحة. إذا تم تشغيل القطار، سأتمكن من العمل في النقل المحلي والبقاء مع عائلتي أكثر".

تحديات التنفيذ: هل الطريق ممهد؟

رغم الزخم السياسي والمالي، لا يخلو المشروع من تحديات، أبرزها:

التنسيق بين الأنظمة القانونية والإدارية في دول الخليج.

التمويل المستدام، خاصة في ظل تقلب أسعار النفط.

الاعتبارات البيئية، إذ يتطلب المشروع عبور مناطق صحراوية حساسة.

الربط مع شبكات النقل الإقليمية، مثل السكك الحديدية في العراق، الأردن، وتركيا، لتحقيق البُعد الشرق أوسطي.

لكن الخبراء يرون أن الإرادة السياسية الحالية، والدعم الشعبي، يشكلان فرصة نادرة لتجاوز هذه العقبات.

خاتمة: هل يتحول الخليج إلى محور عبور عالمي؟

مع اقتراب موعد التشغيل في 2030، يطرح المشروع تساؤلات جوهرية: هل ستنجح دول الخليج في تجاوز الخلافات السياسية لصالح التكامل الاقتصادي؟ وهل يمكن أن تتحول المنطقة إلى مركز عبور عالمي يربط آسيا بأوروبا عبر شبكة سكك حديدية حديثة؟

ما هو مؤكد أن قطر، بإطلاقها هذا المشروع، لا تراهن فقط على البنية التحتية، بل على

مستقبل جديد للمنطقة، عنوانه: "الربط لا الانفصال، والتكامل لا التنافس."

تم نسخ الرابط