البنك الدولي يعدل توقعات نمو اقتصاد السعودية إلى 2.8% لعام 2025

لمحة نيوز

البنك الدولي يخفض توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 2.8% في 2025: تباطؤ مؤقت أم انعكاس لتحولات أعمق؟

في تقريره نصف السنوي الصادر تحت عنوان "الآفاق الاقتصادية العالمية – يونيو 2025"، خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي خلال عام 2025 إلى 2.8%، مقارنة بتقديرات سابقة تراوحت بين 3.4% و5%. هذا التراجع الملحوظ في النسبة، والذي يعادل انخفاضًا بمقدار 0.6 نقطة مئوية، أثار تساؤلات حول العوامل التي تقف وراءه، والمآلات المحتملة لأداء الاقتصاد السعودي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.

انخفاض مستمر في التقديرات حتى 2026

لم يتوقف التعديل عند عام 2025 فقط، بل شمل أيضًا التوقعات الخاصة بعام 2026، حيث قلّص البنك الدولي نسبة النمو المتوقعة إلى 4.5%، بانخفاض قدره 0.9 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة. هذا الاتجاه يعكس إعادة تقييم جذرية لزخم التعافي الاقتصادي في المملكة، رغم المؤشرات الإيجابية في بعض القطاعات.

تباطؤ عالمي يفرض إيقاعه على المنطقة

السعودية ليست بمعزل عن التباطؤ الاقتصادي الذي يخيم على العالم. فوفقًا للتقرير ذاته، يُتوقع أن يبلغ متوسط النمو العالمي في عام 2025 نحو 2.3%، وهو أدنى مستوى يسجله الاقتصاد الدولي منذ الأزمة المالية في 2008. هذه الأرقام تضع جميع الاقتصادات، بما

في ذلك دول الخليج، أمام واقع معقد يفرض إعادة النظر في آليات النمو التقليدية.

في الإطار الإقليمي، تُظهر البيانات أن اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سيحقق نموًا يتراوح بين 2.6% و2.7%، ما يعني أن النمو السعودي سيكون أدنى من المتوسط الإقليمي. أما على مستوى الخليج، فالتوقعات تشير إلى نمو مجمّع يبلغ 3.2%، في حين تسجّل الاقتصادات الخليجية غير النفطية نموًا أعلى يُقدّر بـ3.4% في 2026، ما يسلّط الضوء على أهمية التنويع الاقتصادي كعامل مقاوم للتقلبات.

النفط بين دور محدود ونفوذ مستمر

كان لانكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 0.8% في عام 2023 دور محوري في تعديل التوقعات، ويُعزى ذلك بشكل رئيس إلى خفض إنتاج النفط ضمن سياسة "أوبك بلس". ورغم أن المملكة بدأت منذ ذلك الحين رفع الإنتاج تدريجيًا، فإن هذا التحول لم ينعكس بعد على الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملموس.

من جهة أخرى، تواصل القطاعات غير النفطية إثبات قدرتها على النمو، بدعم من مبادرات رؤية 2030 التي تسعى لتقليص الاعتماد على العائدات النفطية. وتشمل هذه القطاعات مجالات السياحة، والصناعة، والبناء، والخدمات، والتي شهدت تطورًا متسارعًا في السنوات الأخيرة. إلا أن هذا النمو لم يكن كافيًا لتعويض بطء الزخم الناتج عن قطاع الطاقة، خاصة في ظل تقلبات الأسواق

العالمية.

تحسّن مرتقب في المدى المتوسط

رغم تراجع التوقعات للعامين المقبلين، لا يخلو الأفق من مؤشرات إيجابية. إذ يتوقع البنك الدولي أن يرتفع معدل نمو الاقتصاد السعودي إلى 4.6% بحلول عام 2027. ويُعزى هذا الارتفاع المتوقع إلى عدة عوامل، من أبرزها انتهاء سياسات تقليص إنتاج النفط، واستقرار معدلات التضخم، وتحسّن المناخ الاستثماري الداخلي.

لكن هذا النمو المتوقع لا يمكن اعتباره مضمونًا، إذ يبقى مرهونًا باستمرار جهود الإصلاح، وتعزيز الحوكمة الاقتصادية، وإزالة العقبات أمام نمو القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية.

تحديات تفرض مراجعة شاملة

التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد السعودي يتمثل في تقلبات أسعار النفط، التي ما زالت تشكّل مصدرًا رئيسًا للعائدات، رغم التوجهات الواضحة نحو التنويع. وفي ظل التوترات الجيوسياسية، واضطرابات الأسواق، تصبح القدرة على إدارة هذه التقلبات أمرًا حيويًا لضمان الاستقرار الاقتصادي.

كما يبرز التحدي المالي في ضرورة تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وإعادة هيكلة الدعم الحكومي دون المساس بجودة الخدمات العامة.

أما على المستوى الهيكلي، فإن الإصلاحات الاقتصادية لا تزال تتطلب مزيدًا من التسريع والعمق، خصوصًا فيما يتعلق بتحسين بيئة

الأعمال، وتسهيل دخول الاستثمارات، وتحديث الأنظمة التجارية.

تباطؤ عالمي وتحولات اقتصادية هيكلية

ما يجب الالتفات إليه أن التباطؤ الاقتصادي العالمي الحالي لا يقتصر على عوامل ظرفية، بل يعكس تحولات هيكلية طويلة الأمد. فالنظام الاقتصادي العالمي يتغير بوتيرة متسارعة، مع تصاعد أهمية الاقتصاد الأخضر، وتباطؤ سلاسل الإمداد، وتزايد السياسات الحمائية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على اقتصادات تعتمد على التصدير، مثل السعودية.

ولذلك، فإن الحاجة تزداد إلى استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد تضع الابتكار، والاقتصاد المعرفي، والتحول الرقمي، في صميم النمو، إلى جانب تطوير الصناعات المحلية وبناء شراكات دولية أكثر تنوعًا.

ختامًا: فرصة لإعادة التموضع لا يجب تفويتها

في ضوء المستجدات والتحديات الراهنة، يمكن اعتبار تخفيض توقعات البنك الدولي لنمو الاقتصاد السعودي بمثابة فرصة لمراجعة المسار الاقتصادي وتدعيمه، لا إشارة إلى تراجع دائم. فرؤية المملكة 2030 تضع الأسس اللازمة لبناء اقتصاد أكثر توازنًا واستدامة، لكنها تتطلب زخمًا متواصلًا في التنفيذ، ودعمًا سياسيًا وإداريًا مستمرًا.

إن مواصلة الإصلاحات، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتكثيف الاستثمارات في القطاعات الناشئة، تمثل عناصر أساسية لضمان تحول اقتصادي حقيقي، يعزز مناعة السعودية

أمام تقلبات الأسواق ويؤهلها لقيادة النمو الإقليمي والدولي في المستقبل.

تم نسخ الرابط