أمازون تتوقع تقليص الوظائف بسبب تطور الذكاء الاصطناعي
أمازون والذكاء الاصطناعي: فرص واعدة أم تهديد وظيفي قادم؟
في ظل التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بات واضحًا أن كبرى الشركات العالمية تعيد حساباتها بشأن مستقبل العمل، وهيكلة القوى البشرية لديها. أمازون، عملاق التجارة الإلكترونية والتقنيات السحابية، لم تخرج عن هذا السياق، بل صارت في قلب الجدل. فمع توسّع الشركة في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن مختلف وحداتها، بدأ الحديث علنًا عن "ترشيد" القوى العاملة، مما يثير تساؤلات ملحّة حول مصير آلاف الموظفين، خاصة أولئك في الأدوار الإدارية والتقنية التقليدية.
تصريح صادم من القيادة
في يونيو 2025، خرج آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لأمازون، بتصريح صريح لا يقبل التأويل: "نعم، الذكاء الاصطناعي سيساهم في تقليص عدد الموظفين." هذا الإعلان، رغم أنه لم يحدد جدولًا زمنيًا دقيقًا أو أرقامًا نهائية، إلا أنه مثّل اعترافًا رسميًا بأن الشركة تعيد تشكيل بنيتها الوظيفية مدفوعة بالتكنولوجيا الجديدة.
وحسب جاسي، فإن أغلب التأثير سيطال الوظائف الإدارية و"الوظائف البيضاء"، أي تلك التي تعتمد على المهام الروتينية أو التكرارية التي يمكن أتمتتها. وذكر أن هذا التحوّل سيكون تدريجيًا وليس مفاجئًا، وسيتم في كثير من الحالات من خلال الامتناع عن توظيف بدائل لمن يتقاعد أو يترك طوعًا.
أين ستكون الضربات الأقوى؟
التقارير الداخلية تشير إلى أن الفرق العاملة في منتجات مثل "أليكسا"، و"Ring"، وحتى ذراع القيادة الذاتية "Zoox"، من بين أكثر المتأثرين. فهذه الأقسام، رغم أنها تعتمد على تقنيات عالية، إلا أنها تتضمن عددًا كبيرًا من الموظفين الذين يعملون في وظائف دعم، أو كتابة محتوى، أو إدارة مشاريع، وهي وظائف قد يتم الاستغناء عنها لصالح أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويبدو أن إعادة الهيكلة لم تكن وليدة اللحظة. فبحلول نهاية 2024، كانت الشركة قد بدأت بالفعل في تقليص طبقات الإدارة الوسطى، والاتجاه نحو نماذج أكثر انسيابية في اتخاذ القرار. وبحسب وثيقة داخلية مسربة، فإن الهدف كان تقليل عدد المديرين بنسبة تقارب 15%، مقابل رفع عدد الموظفين الفنيين المنفذين.
الأرقام تتحدث: كم عدد المتأثرين؟
رغم أن أمازون لم تصدر رقمًا رسميًا يشير إلى عدد الوظائف التي سيتم الاستغناء عنها، فإن مصادر متعددة أشارت إلى أن العدد قد يصل إلى 14,000 وظيفة إدارية وتقنية، ما بين تسريح مباشر وعدم تجديد عقود. وفي حين نفت الشركة نيتها القيام بـ"مذبحة وظائف"، أكدت أنها ستقلل من التعيينات الجديدة وستستثمر في تدريب الموظفين الحاليين على المهارات المستقبلية.
ردود فعل داخلية: القلق يتصاعد
لم يمر تصريح الرئيس التنفيذي مرور الكرام داخل الشركة. فقد أعرب عدد من الموظفين الحاليين،
ولم يكن هذا الموقف معزولًا. فهناك مؤشرات على تراجع المعنويات في بعض الوحدات، خصوصًا بعد أنباء عن تعليق ترقيات أو تأجيل برامج إعادة الهيكلة الإدارية لبعض الفرق حتى إشعار آخر، بانتظار ما ستسفر عنه تجارب الأتمتة الجديدة.
لماذا تتجه أمازون نحو الذكاء الاصطناعي بهذا الزخم؟
التحوّل الجذري في رؤية أمازون لا يأتي من فراغ. الشركة تستثمر عشرات المليارات في الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عبر خدمات "أمازون ويب سيرفيسز" (AWS). وقد أعلنت مؤخرًا عن دمج أكثر من ألف "وكيل ذكي" في بنيتها التشغيلية لتسريع العمليات وتحسين خدمة العملاء، مع طموح لتوسيع هذا الرقم بشكل كبير خلال السنوات الثلاث القادمة.
علاوة على ذلك، فإن الشركة دخلت في شراكات بحثية مع مؤسسات مثل MIT، لتطوير روبوتات أكثر قدرة على التفاعل مع البيئات المعقدة. وتهدف هذه المشاريع إلى تقليل الضغط البدني والعقلي على العمال، وتحسين الإنتاجية في مراكز التوزيع والتخزين.
التحدي الحقيقي: التوازن بين الكفاءة والعدالة
رغم أن أمازون تحاول طمأنة موظفيها بأنها تسعى للانتقال
فرص أم تهديدات؟
لا شك أن الذكاء الاصطناعي يوفّر فرصًا ضخمة لرفع الإنتاجية، وتقديم خدمات أسرع وأدق. لكن السؤال هو: هل ستكون تلك الفرص متاحة للجميع؟ أم أنها ستُستثمر لتقليل التكاليف على حساب الوظائف؟
أمازون تقول إنها تسعى لخلق فرص جديدة في قطاعات النمو مثل علوم البيانات، تطوير النماذج الذكية، والأمن السيبراني. ومع ذلك، فإن هذه المجالات تتطلب مهارات عالية لا يمتلكها جميع الموظفين حاليًا، وهو ما يستدعي تدخلًا مؤسسيًا جادًا لإعادة تدريب القوى العاملة.
خلاصة: المستقبل يبدأ الآن
ما يحدث في أمازون اليوم هو نموذج مصغر لما ستشهده آلاف الشركات خلال العقد القادم. الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة إضافية، بل هو عامل تغيير جوهري. والتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في من سيبقى ومن سيغادر، بل في مدى قدرة المؤسسات على تحويل هذا التحوّل إلى فرصة جماعية لا إلى صدمة فردية.
الذكاء الاصطناعي قادم، وبقوة. والسؤال الآن ليس "هل سيتأثر الموظفون؟"، بل "كيف نستعد نحن والأجيال