مصر تعتزم استيراد الغاز الطبيعي لتلبية الطلب المحلي حتى يونيو 2026
مصر واستيراد الغاز الطبيعي: بين الحاجة الملحة والتحديات المتشابكة
في أحد أحياء القاهرة القديمة، جلس عم حسن، صاحب ورشة صغيرة لتصليح الأجهزة الكهربائية، يتأمل عداد الكهرباء الذي توقف عن الدوران منذ ساعات. "التيار انقطع مجددًا، والزبائن يتذمرون"، قالها بحسرة. لم يكن يعلم أن وراء هذا الانقطاع أزمة طاقة تتجاوز حدود حيه، وتمتد إلى قرارات استراتيجية على مستوى الدولة.
خلفية تاريخية: من التصدير إلى الاستيراد
لطالما كانت مصر تُعد من الدول الواعدة في مجال إنتاج الغاز الطبيعي، خاصة بعد اكتشاف حقل "ظهر" العملاق في عام 2015، والذي رفع سقف التوقعات بتحقيق الاكتفاء الذاتي بل والتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الطاقة. وبالفعل، شهدت البلاد في السنوات التالية طفرة في صادرات الغاز المسال، وبدأت في تقليص وارداتها تدريجيًا.
لكن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجيًا منذ عام 2022، مع تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاستهلاك، خاصة في فصل الصيف، حيث يزداد الطلب على الكهرباء بشكل كبير. ومع تصاعد التوترات الإقليمية وتوقف بعض الإمدادات من إسرائيل،
الواقع الحالي: استيراد لتأمين الاستهلاك المحلي
في يونيو 2025، أعلنت الحكومة المصرية رسميًا عن خطتها لاستيراد الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب المحلي خلال الفترة من يوليو 2025 وحتى يونيو 2026. ووفقًا لبيان مجلس الوزراء، فإن الهيئة المصرية العامة للبترول وافقت على التعاقد مع عدد من الشركات العالمية لتوريد ما بين 150 إلى 160 شحنة من الغاز، بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تراجع الإنتاج المحلي إلى نحو 3485 مليون متر مكعب في أبريل 2025، مقارنة بذروة بلغت 6133 مليون متر مكعب في مارس 2021، بحسب بيانات مبادرة البيانات المشتركة (جودي).
شهادات من الميدان: الصناعة في مواجهة الانقطاع
تقول المهندسة نجلاء عبد الرحمن، مديرة مصنع للأسمدة في السويس: "توقف ضخ الغاز خلال الأسابيع الماضية كاد أن يتسبب في كارثة إنتاجية. كنا نعمل بنصف الطاقة، وخسرنا عقود تصدير مهمة". وتضيف: "عودة الإمدادات مؤخرًا أنقذت الموقف، لكننا بحاجة إلى حلول طويلة الأمد".
من جانبه، يرى
أبعاد سياسية واقتصادية متشابكة
لا يمكن فصل قرار الاستيراد عن السياق السياسي الإقليمي، خاصة بعد توقف ضخ الغاز من إسرائيل نتيجة الصراع مع إيران، ما أدى إلى إغلاق حقلي "ليفياثان" و"كاريش" مؤقتًا. كما أن الضغوط الاقتصادية الداخلية، مثل ارتفاع فاتورة الدعم وتراجع الاحتياطي النقدي، دفعت الحكومة إلى البحث عن حلول سريعة لتأمين الطاقة.
في هذا السياق، لجأت مصر إلى توقيع عقود مرنة تسمح بتأجيل بعض الشحنات وتوفير خيارات دفع ميسرة، في محاولة لتخفيف الضغط المالي.
آراء الخبراء: بين الضرورة والتخطيط الاستراتيجي
يرى الدكتور محمد سعد، أستاذ هندسة الطاقة بجامعة القاهرة، أن "الاستيراد ليس فشلًا بقدر ما هو إجراء تكتيكي لتجاوز أزمة مؤقتة". ويضيف: "لكن لا بد من أن يترافق ذلك مع خطة واضحة لزيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع الاعتماد على مصادر
في المقابل، يحذر بعض المحللين من أن الاعتماد المتزايد على الاستيراد قد يُفقد مصر مكانتها كمصدر إقليمي للطاقة، ويؤثر على قدرتها التفاوضية في المستقبل.
وجهات نظر متباينة
بينما يرى البعض أن قرار الاستيراد يعكس مرونة الحكومة في التعامل مع الأزمات، يعتبره آخرون مؤشرًا على ضعف التخطيط الاستراتيجي في قطاع الطاقة. ويطالب خبراء بضرورة مراجعة سياسات التصدير السابقة، التي ربما بالغت في تقدير الفائض الإنتاجي.
توصيات وخاتمة: ما بعد الاستيراد
في ضوء ما سبق، يمكن تلخيص أبرز النقاط في ما يلي:
الاستيراد ضرورة مؤقتة لتأمين احتياجات السوق المحلي، خاصة في ظل تراجع الإنتاج.
التحديات المالية تفرض على الحكومة البحث عن حلول تمويلية مبتكرة.
الفرصة سانحة لإعادة هيكلة قطاع الطاقة، وتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح مصر في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة رسم خريطة الطاقة؟ أم أن الاستيراد سيصبح واقعًا دائمًا يثقل كاهل الاقتصاد؟ الإجابة ستتضح في السنوات القليلة المقبلة، لكن