استقرار أسعار الذهب بعد تقلبات حادة

لمحة نيوز

استقرار أسعار الذهب بعد تقلبات حادة: الأسواق تترقب والأنظار تتجه إلى الفيدرالي

شهدت أسواق الذهب خلال الأسابيع الأخيرة تقلبات حادة في الأسعار، مدفوعة بتغيرات متسارعة في المعطيات الاقتصادية والجيوسياسية. فبعد ارتفاعات قياسية بلغت ذروتها في وقت سابق من شهر يونيو، عادت الأسعار إلى التراجع مؤقتاً، قبل أن تبدأ في الاستقرار مجدداً مع نهاية الشهر. هذا الاستقرار يعكس حالة من الحذر والترقب تسود الأسواق العالمية، في ظل تقاطع عدة عوامل اقتصادية، أبرزها التوقعات بشأن أسعار الفائدة الأميركية، وتحركات الدولار، وتطورات الأزمات العالمية.

الذهب في مشهد السوق العالمي: تقلبات ثم استقرار

في النصف الثاني من شهر يونيو 2025، سجّلت أسعار الذهب انخفاضًا ملموسًا بعد موجة من الارتفاعات الحادة التي دفعتها إلى مستويات قاربت 3,450 دولارًا للأونصة. مع اقتراب نهاية الشهر، بدأت الأسعار تستقر تدريجياً في نطاق يتراوح بين 3,275 إلى 3,325 دولار للأونصة، وهو ما يشير إلى مرحلة مؤقتة من إعادة التقييم من قبل المستثمرين.

هذا الاستقرار جاء بعد أسبوعين من التذبذب العنيف الذي شهد تغيرات يومية تتجاوز 1.5% في بعض الجلسات، متأثرة بعوامل متضاربة، مثل إعلان بيانات التضخم الأميركية، وتذبذب مؤشرات الأسهم العالمية، وتحركات مفاجئة في العوائد على السندات الأميركية.

ما الذي سبّب التقلبات الأخيرة؟

1. سياسات الفيدرالي الأميركي

التقلبات في أسعار الذهب ترتبط بشكل مباشر

بتوقعات السوق بشأن مسار السياسة النقدية الأميركية. ففي بداية يونيو، صدرت تصريحات متشددة من مسؤولين في الاحتياطي الفيدرالي، ألمحوا فيها إلى احتمالية الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً، ما أدى إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية، وبالتالي تراجع الطلب على الذهب.

عندما ترتفع الفائدة، تزداد جاذبية الأصول ذات العائد مثل السندات، مما يُضعف الطلب على الذهب باعتباره أصلًا لا يدرّ عوائد. هذا ما شهدناه في الأسابيع الماضية، حيث تزامن تراجع الذهب مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 4.4%.

2. تحركات الدولار الأميركي

الذهب غالباً ما يتحرك في اتجاه عكسي مع الدولار الأميركي. ومع تعافي الدولار بشكل قوي أمام العملات الأخرى – وخاصة اليورو والين – فقد الذهب جزءاً من بريقه. ارتفاع الدولار يجعل الذهب أغلى ثمناً للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، ما يقلل من جاذبيته.

3. الهدوء الجيوسياسي المؤقت

من العوامل الأخرى التي ساهمت في التراجع النسبي لأسعار الذهب، هو هدوء نسبي في بعض الأزمات الجيوسياسية، لا سيما في الشرق الأوسط، بعد مؤشرات على تهدئة التصعيد بين إسرائيل وإيران، وتراجع المخاوف بشأن نشوب صراع إقليمي موسّع. هذا الهدوء خفف من الإقبال على الذهب كـ"ملاذ آمن"، وهو أحد أدواره التقليدية.

الاستقرار: هل هو مؤقت أم بداية اتجاه جديد؟

يرى بعض المحللين أن استقرار أسعار الذهب في نهاية يونيو لا يعكس بالضرورة

بداية اتجاه هبوطي طويل الأمد، بل قد يكون مجرد "وقفة مؤقتة" في مسار صاعد، خاصة في ظل استمرار بعض العوامل الداعمة للذهب:

استمرار الطلب من البنوك المركزية

في السنوات الأخيرة، زاد عدد البنوك المركزية – خاصة في آسيا والشرق الأوسط – التي تشتري الذهب ضمن احتياطاتها الأجنبية. هذا الطلب المؤسسي يعزز من قوة السوق على المدى الطويل.

تراجع متوقع في أسعار الفائدة نهاية 2025

رغم الموقف الحالي للفيدرالي، تشير العديد من التوقعات إلى أن دورة التشديد النقدي أوشكت على نهايتها، ومن المرجح أن يبدأ البنك المركزي الأميركي في خفض أسعار الفائدة في الربع الأخير من 2025. هذا السيناريو يدعم الذهب بشدة، لأن انخفاض الفائدة يقلل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن النفيس.

استمرار الضبابية الاقتصادية العالمية

مع تباطؤ النمو في أوروبا، وتصاعد المخاوف بشأن الديون في بعض الاقتصادات الناشئة، يبقى الذهب خيارًا آمنًا للمستثمرين الباحثين عن التحوط ضد المخاطر.

التحليل الفني: نقاط الدعم والمقاومة

مستويات الدعم الحالية للذهب تقع عند 3,275 و3,240 دولار للأونصة. أي كسر دون هذه المستويات قد يدفع الذهب لاختبار حاجز 3,200.

المقاومات الفنية تتركز عند 3,325 ثم 3,360 دولار. اختراق هذه الحواجز قد يُعيد الزخم الصعودي بقوة نحو مستويات أعلى، ربما تصل إلى 3,400 أو أكثر.

أسعار الذهب في الأسواق الإقليمية: السعودية والهند كمثال

السعودية:

في السوق المحلي، استقرت أسعار

الذهب يوم 27 يونيو عند مستويات:

عيار 24: نحو 4636 ريال سعودي للتولا.

عيار 21: حوالي 4050 ريال.

هذا الاستقرار يعكس أيضًا تأثير الربط بين الريال والدولار، وتأثر السوق السعودي مباشرةً بتقلبات السوق العالمية.

الهند:

شهد السوق الهندي انخفاضًا حادًا بلغ حوالي 1,051 روبية في يوم واحد، ليصل سعر 10 غرامات من الذهب عيار 24 إلى 96,036 روبية، بعد أن تجاوز حاجز 97,000 روبية في وقت سابق من الشهر.

توقعات السوق: هل نرى قفزة في النصف الثاني من 2025؟

تشير تحليلات عدد من البنوك والمؤسسات المالية الكبرى إلى أن الذهب قد يشهد انتعاشاً جديداً في النصف الثاني من العام. على سبيل المثال:

غولدمان ساكس رفعت توقعاتها لسعر الذهب إلى 3,700 دولار للأونصة بحلول نهاية العام، وفي سيناريو متفائل قد يصل إلى 4,500 دولار.

بنك UBS يتوقع أن يتراوح الذهب بين 3,200 – 3,600 دولار، مع أفضلية للارتفاع مع خفض الفائدة.

Citigroup أوصت عملاءها بالاحتفاظ بالذهب، وتوقعت عودة قوية في الربع الرابع من 2025.

 الذهب... ما بين الترقب والفرص

استقرار أسعار الذهب الحالي ليس نهاية الطريق، بل هو محطة في مسار طويل من التفاعل بين قوى السوق. في عالم مليء بعدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، يظل الذهب أصلًا مهمًا للتحوط، ولحماية الثروات، ولتحقيق التوازن في المحافظ الاستثمارية.

المستثمرون المحنّكون يراقبون المؤشرات الاقتصادية بعين، ويحافظون على مواقعهم الذهبية بالعين

الأخرى، منتظرين اللحظة التي قد يتحرك فيها الذهب من جديد نحو قمم جديدة.

تم نسخ الرابط