صندوق النقد الدولي يتوقع نمو اقتصاد الخليج بنسبة 1% في 2025 و2026

لمحة نيوز

في وقت تتقاطع فيه التحولات الجيوسياسية العالمية مع تقلبات الاقتصاد الدولي، جاءت تقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة لتُشكل مؤشرًا مهمًا على المرحلة المقبلة التي تستعد لها دول الخليج، حيث يتوقع الصندوق أن يسجل اقتصاد المنطقة نموًا بنحو 1% في كل من عامي 2025 و2026. قد تبدو هذه النسبة محدودة عند المقارنة بأعوام الازدهار السابقة، إلا أن خلفها واقع اقتصادي معقد يتطلب قراءة دقيقة ومتأنية.

لطالما ارتبطت اقتصادات دول الخليج بأداء أسواق الطاقة العالمية، كون النفط لا يزال يشكل مصدرًا رئيسيًا للدخل القومي في معظم دول المجلس. ومع تذبذب أسعار النفط خلال العامين الأخيرين، واضطرار بعض الدول المنتجة للخام إلى تقليص الإنتاج التزامًا باتفاقيات جماعية، تراجعت الإيرادات بشكل ملحوظ، ما ألقى بظلاله على معدلات النمو العام، وأجبر الحكومات على إعادة ترتيب أولوياتها المالية.

لكن التباطؤ الذي تشير إليه التقديرات لا يعكس بالضرورة خللًا هيكليًا، بل قد يُفهم في إطار مرحلة انتقالية تعيشها اقتصادات الخليج، في ظل التحول الطموح نحو تنويع القاعدة الإنتاجية وتقليص الاعتماد على العائدات النفطية. هذا التحول، رغم أهميته، لا يأتي بثماره سريعًا. فالاستثمارات الضخمة التي تُضَخ في قطاعات مثل السياحة، والتقنية، والطاقة البديلة، تحتاج وقتًا كي تنعكس على الناتج المحلي بشكل ملموس.

في قلب هذه المرحلة الحرجة، تواجه دول الخليج تحديات

مزدوجة؛ من جهة تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار المالي الداخلي، ومن جهة أخرى تحاول الاستمرار في تنفيذ خططها الاستراتيجية بعيدة المدى، والتي تتطلب نفقات رأسمالية ضخمة. وهذا التوازن ليس سهلًا، خاصة في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، من اضطرابات سلاسل الإمداد، إلى تغيّر أنماط الاستهلاك والاستثمار عالميًا.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال الأثر المتزايد للسياسات النقدية الدولية، لاسيما مع استمرار البنوك المركزية الكبرى في اتباع سياسات صارمة لكبح التضخم. هذه السياسات تلقي بآثارها غير المباشرة على اقتصادات الخليج، التي ترتبط عملاتها المحلية بالدولار الأميركي، ما يعني أن أي تغيير في الفائدة الأميركية ينعكس على السياسة النقدية الخليجية، ويؤثر على كلفة الاقتراض والاستثمار.

ورغم هذه الضغوط، فقد أظهرت بعض المؤشرات الاقتصادية الإقليمية أن القطاعات غير النفطية في بعض دول الخليج بدأت تسجل نموًا ثابتًا، وإن كان بوتيرة متواضعة. وقد ظهرت هذه الديناميكية بشكل أوضح في قطاعات مثل النقل، والاتصالات، والخدمات المالية، مما يعكس بداية تحول تدريجي في طبيعة الاقتصاد الخليجي من الاعتماد شبه الكلي على الطاقة إلى تنوع أوسع.

والمثير في هذه المرحلة أن الدول الخليجية لم تتراجع عن طموحاتها رغم التقديرات المحدودة. بل على العكس، فإن عدداً من المشاريع العملاقة لا يزال قيد التنفيذ في مدن ومناطق مختلفة، تعكس إصرارًا

على المضي قدمًا في بناء اقتصادات حديثة ومترابطة. قد يتطلب الأمر وقتًا أطول لتحقيق الأثر الكامل، لكن الرؤية واضحة، والإرادة السياسية حاضرة.

إلى جانب ذلك، تواصل الحكومات الخليجية مراجعة هياكل الدعم والضرائب، في محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين الدولة والقطاع الخاص. هذه التغييرات، رغم حساسيتها، تعتبر خطوة ضرورية لبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام التقلبات، ولا يعتمد فقط على الإنفاق الحكومي الواسع.

في ضوء هذا، فإن التقدير البالغ 1% ليس مجرد رقم بل تعبير عن فترة من الانكماش الطبيعي ضمن مسار إعادة الهيكلة الكبرى. من الصعب أن تشهد اقتصادات تتحول بهذا الشكل السريع معدلات نمو مرتفعة دون فترات من التباطؤ المرحلي. ولذلك فإن النظر إلى هذا الرقم يجب أن يكون ضمن سياقه الزمني والاستراتيجي، لا كمؤشر سلبي مطلق.

من جهة أخرى، فإن البيئة الاستثمارية في المنطقة لا تزال جاذبة، بل إن بعض المؤشرات تشير إلى ارتفاع مستويات التدفقات المالية الأجنبية المباشرة في بعض دول الخليج، خصوصًا تلك التي وفرت بيئة تنظيمية متطورة وشراكات عالمية واعدة. وهذا بدوره يشير إلى أن ثقة الأسواق لم تتأثر سلبًا بالتباطؤ المرحلي، بل ما زالت تراهن على مستقبل المنطقة الاقتصادي.

ثمة عنصر آخر لا يقل أهمية يتمثل في التحولات السكانية والاجتماعية داخل دول الخليج. فمع ارتفاع نسبة الشباب في عدد من الدول، تتعاظم الحاجة إلى خلق

فرص عمل ذات جودة عالية، وتوفير بيئات تعليمية ومهنية تتماشى مع سوق العمل الجديد الذي تفرضه الثورة الرقمية. وهذا التحدي الاقتصادي-الاجتماعي سيكون له أثر بالغ على مدى قدرة الاقتصادات الخليجية على تحقيق نمو مستدام في المستقبل القريب والبعيد.

أما من ناحية السياسات المالية، فقد انتهجت بعض الحكومات الخليجية خلال العامين الأخيرين نهجًا أكثر تحفظًا في إدارة فوائضها، مع اتجاه واضح نحو تقليص العجز وتحقيق التوازن المالي. هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى بطء في عجلة النمو على المدى القصير، لكنها تُعزز من قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الأزمات المحتملة مستقبلاً.

وفي الوقت الذي تشير فيه التوقعات إلى نمو متواضع على المدى القريب، فإن الآفاق المستقبلية تحمل إمكانيات أوسع، خاصة إذا تم الحفاظ على وتيرة الإصلاحات، وزيادة الاستثمار في الابتكار، وتحقيق المزيد من الانفتاح الاقتصادي المنظم. فالدروس المستفادة من الصدمات الاقتصادية الماضية جعلت دول الخليج أكثر وعيًا بضرورة بناء نموذج اقتصادي أكثر مرونة وقدرة على التكيّف.

باختصار، التوقعات الحالية قد لا تعكس طموحات المنطقة في ظاهرها، لكنها تمثّل جزءًا طبيعيًا من مرحلة إعادة التشكيل التي تمر بها هذه الاقتصادات. ما يحدد مستقبل النمو ليس فقط الأرقام السنوية، بل نوعية السياسات، وفعالية التنفيذ، واستمرارية الالتزام برؤية طويلة الأجل تقود الاقتصاد من الاعتماد إلى التمكين، ومن

التقليدية إلى الديناميكية.

تم نسخ الرابط