تونس تطلق برنامجًا لتمويل شركات الناشئة بقيمة خمسين مليون دولار
أولًا: السياق العام لإطلاق البرنامج
في السنوات الأخيرة، سعت تونس إلى ترسيخ مكانتها كبيئة حاضنة لريادة الأعمال، لا سيما بعد إقرار قانون "Startup Act" في عام 2018، والذي مهد الطريق لتطوير منظومة دعم الشركات الناشئة. لكن رغم ذلك، ظل التمويل يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه رواد الأعمال، خاصة في المراحل المبكرة من عمر الشركة.
استجابة لذلك، أطلقت الدولة التونسية برنامجًا وطنيًا جديدًا، بالشراكة مع البنك الدولي، يهدف إلى تعبئة وتوجيه استثمارات ضخمة نحو الشركات الناشئة. يتكون هذا البرنامج من حزمة تمويل شاملة تبلغ 75 مليون دولار، خُصص منها حوالي 50 مليون دولار مباشرة لتمويل الشركات الناشئة، سواء عبر استثمارات مباشرة، أو من خلال صناديق رأس المال الجريء.
ثانيًا: أهداف البرنامج
البرنامج لا يقتصر على توفير تمويل فقط، بل هو جزء من رؤية استراتيجية لبناء نظام بيئي متكامل للشركات الناشئة في تونس. من أبرز أهدافه:
تمكين الشركات في مراحلها الأولى من النمو والبقاء من خلال التمويل، خصوصًا في المراحل الحرجة مثل إثبات الفكرة أو التوسع الأولي.
تحفيز الاستثمار الخاص عبر تحفيز صناديق رأس المال الجريء المحلية والأجنبية للمساهمة في تمويل الشركات.
تقليص الفوارق الجغرافية بين العاصمة وبقية الجهات، من خلال توجيه التمويل والدعم
تشجيع الابتكار التكنولوجي والرقمي في قطاعات ذات قيمة مضافة مثل الصحة الرقمية، الطاقة النظيفة، الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية.
دعم المرأة والشباب كفئات رئيسية في النسيج الريادي الجديد.
ثالثًا: مكونات البرنامج التمويلية
يتضمن البرنامج آليات تمويلية متنوعة لتغطية مختلف مراحل تطور الشركات الناشئة:
1. صندوق "أنــافــا" (Anava Fund)
صندوق يُعرف بصندوق الصناديق، تم تأسيسه لتوفير تمويل غير مباشر من خلال ضخ الأموال في صناديق استثمارية فرعية، والتي بدورها تستثمر في شركات ناشئة. هذا الأسلوب يقلل من المخاطر على الدولة ويحفز مساهمة القطاع الخاص.
2. صندوق "إينوفاتك" (Innovatech)
يركّز على الاستثمار في الشركات الصغرى والمتوسطة المبتكرة، خاصة في القطاعات التكنولوجية، ويستهدف المرحلة الثانية من التمويل، بعد أن تثبت الشركة قدرتها على البقاء والنمو.
3. منح إثبات المفهوم
يُمنح تمويل مباشر للشركات في مراحل إثبات المفهوم أو النموذج الأولي، من أجل مساعدتها على تطوير منتجاتها، دخول السوق، والحصول على عملاء أوليين.
4. آلية "AIR" و"AIR²"
وهي آليات تمويل ذكية تربط بين المنح والاستثمار مقابل أسهم، وتستخدم في رعاية الشركات التي تبدأ في تلقي تمويل أو تحضّر لجولات تمويل متقدمة.
رابعًا:
الإنجازات الميدانية
حتى منتصف عام 2025، حقق البرنامج جملة من النجاحات:
تمويل مئات الشركات عبر منح مباشرة أو استثمارات غير مباشرة من خلال الصناديق.
تنظيم جولة وطنية ("Roadshow") شملت أربع ولايات (بنزرت، القيروان، صفاقس، وقابس)، استهدفت ربط رواد الأعمال في المناطق الداخلية بالمستثمرين والخبراء ومسرعات الأعمال.
تفعيل عشرات الحاضنات والمسرعات بدعم مالي وفني، وتوجيهها نحو توفير بيئة مناسبة لاحتضان الشركات الناشئة.
استقطاب استثمارات خاصة قدرت بـ47 مليون دولار، مما يعكس ثقة القطاع الخاص في البرنامج.
تحسين التصنيف الدولي لتونس في مؤشرات الابتكار وريادة الأعمال، لتدخل ضمن أفضل 10 منظومات ناشئة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
خامسًا: التحديات الميدانية والواقعية
رغم النجاحات، لا يخلو البرنامج من صعوبات وتحديات، أبرزها:
1. ضعف التمويل ما قبل التأسيس (Pre-seed)
العديد من رواد الأعمال يجدون صعوبة في الحصول على تمويل أولي يسمح لهم بإنشاء الشركة من الأساس، قبل إثبات الفكرة أو التوفر على نموذج أولي.
2. البيروقراطية الإدارية
العديد من المؤسسات الداعمة ما تزال تُدار بأساليب بيروقراطية بطيئة، تعيق السرعة المطلوبة في بيئة ريادة الأعمال.
3. التحكم المفرط لبعض الحاضنات
بعض الحاضنات تستحوذ على نسب
4. الفوارق الجغرافية
رغم جهود التوزيع الجغرافي، ما تزال العاصمة تونس تحتكر نسبة هامة من الموارد والدعم، فيما تشتكي جهات داخلية من نقص المعلومة والخدمات.
سادسًا: تطلعات مستقبلية وتحسينات ممكنة
لضمان استمرارية البرنامج وتحقيق تأثير أكبر، هناك توصيات أساسية:
إحداث برامج تمويل خاصة بالمراحل الأولى، مع تقليل الشروط الشكلية وتسريع الإجراءات.
تعزيز الحوكمة والرقابة على الحاضنات والمسرعات، للتأكد من مصداقيتها وفاعلية خدماتها.
توسيع نطاق التمويل ليشمل القطاعات الإبداعية والفنية، التي غالبًا ما تُهمّش رغم إمكاناتها الكبيرة.
رقمنة الإجراءات التمويلية، مما يسهّل على الشركات التقديم والمتابعة والشفافية.
بناء نظام معلومات وطني موحّد، يوفر إحصاءات آنية حول توزيع الدعم، حالة الصناديق، وعدد المستفيدين.
خاتمة
برنامج تمويل الشركات الناشئة في تونس بقيمة 50 مليون دولار ليس مجرد مبادرة اقتصادية، بل يمثل محاولة جادة لتغيير الذهنية الاقتصادية نحو الابتكار، ولتأسيس جيل جديد من رواد الأعمال القادرين على خلق الثروة محليًا والمنافسة عالميًا.
إن مستقبل تونس الرقمي والصناعي يعتمد بدرجة كبيرة على حسن إدارة هذه المبادرة،