عمان تطلق مشروع المدينة الذكية بتكلفة 1.5 مليار دولار
سلطنة عُمان تطلق مشروع "مدينة السلطان هيثم" بقيمة استثمارية بلغت 1.7 مليار دولار
أطلقت سلطنة عُمان واحدة من أكبر مشاريعها العمرانية الطموحة، والمتمثلة في بناء "مدينة السلطان هيثم"، على أطراف العاصمة مسقط، لتكون نموذجاً رائداً للمدن الذكية والمستدامة، وتعكس رؤى الدولة المستقبلية التي تسعى نحو الابتكار وتحسين جودة الحياة لمواطنيها.
يُعتبر هذا المشروع أحد أبرز الركائز الأساسية ضمن خطة "عُمان 2040"، وهي استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة، وتنويع مصادر الدخل، وتوفير بيئة حضرية متقدمة تجمع بين العناصر البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
تفاصيل المشروع ومراحل التنفيذ
تمتد مدينة السلطان هيثم على مساحة إجمالية تبلغ نحو 15 مليون متر مربع، وتُنفذ على عدة مراحل تمتد على مدى أكثر من عقدين، حيث يُتوقع أن تكتمل جميع مراحل المشروع بحلول عام 2045، مع إمكانية تقليص هذه الفترة إذا استمرت وتيرة الإنجاز الحالية.
بدأت المرحلة الأولى من المشروع قبل عامين، وتغطي ما يزيد عن 50% من المساحة الكلية، وتركز بشكل أساسي على تطوير البنية التحتية، وإنشاء المناطق السكنية، والمرافق التعليمية، والخدمات العامة. وشهدت هذه المرحلة تقدماً ملحوظاً، بفضل التعاون
وتوقعت المهندسة ليلى الناصري، مديرة متابعة أعمال المطورين في المشروع، أن تنتهي المرحلة الأولى بحلول عام 2030، مشيرة إلى احتمال تسريع الجدول الزمني إذا استمرت وتيرة العمل بنفس الزخم الحالي.
الاستثمار والإسكان
يتضمن المشروع بناء حوالي 20 ألف وحدة سكنية تستوعب ما يقارب 100 ألف نسمة، ضمن بيئة عمرانية متكاملة توفر السكن المناسب، والخدمات الاجتماعية، والمرافق الترفيهية والتعليمية. وبحسب البيانات الرسمية، بلغت الاستثمارات المنفذة حتى الآن نحو 1.7 مليار دولار، مما يعكس حجم الالتزام والدعم الحكومي لهذا المشروع الحيوي.
ومن المتوقع أن تنضم شركتان أجنبيتان إلى طواقم التطوير في المراحل المقبلة، مما قد يساهم في دعم الخبرات الفنية والمالية، وفتح المجال أمام شراكات دولية مستقبلية.
تصميم مبتكر وصديق للبيئة
تميز تصميم المدينة بالتركيز على الجانب البيئي والاستدامة، إذ تم اعتماد تصميم أفقي يتناسب مع طبيعة التضاريس العُمانية، بحيث لا يتجاوز ارتفاع المباني السكنية سبعة طوابق. ومع ذلك، سيتم تخصيص بعض المناطق مثل "داون تاون" لإنشاء أبراج مرتفعة تشكل مركزاً
كما تم تخصيص مساحات كبيرة من المدينة للمسطحات الخضراء والحدائق العامة، حيث تصل مساحة الأراضي الزراعية إلى 2.6 مليون متر مربع، بينما تبلغ مساحة الحديقة المركزية حوالي 1.6 مليون متر مربع، لتكون مصدرًا للهواء النقي ومركزاً للنشاطات الترفيهية والرياضية.
واستفاد المصممون من التشكيلات الطبيعية للأرض، وتم تطوير الوادي الواقع داخل نطاق المدينة كمصدر للطاقة المتجددة، فضلاً عن استخدامه كمساحة ترفيهية مستدامة تخدم السكان.
بنية تحتية ذكية وصديقة للمشاة
تتميز المدينة بتصميم حضري يركز على المشاة والدراجات، حيث تم فصل مسارات المشاة عن حركة السيارات، وتوفير شبكة نقل ذكية ومستدامة تقلل الاعتماد على السيارات الخاصة، وتساهم في تخفيف الازدحامات وخفض الانبعاثات الكربونية.
كما تم توفير خدمات متكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، بما في ذلك بناء مركز متخصص ضمن البُنية الحضرية، يوفر لهم كل سبل الراحة والتنقل الآمن.
التعليم والخدمات المجتمعية
تشمل المدينة مجتمعات تعليمية متكاملة تضم مدارس من مختلف المراحل الدراسية، بالإضافة إلى مرافق رياضية ومسابح ومساحات مفتوحة، وقد تم توزيع هذه المرافق بشكل جغرافي يتيح الوصول إليها خلال عشر دقائق
فرص اقتصادية للشركات الصغيرة والمتوسطة
أكدت المهندسة ليلى الناصري أن المشروع يوفر فرصاً استثمارية واسعة للشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث تم تخصيص أحياء كاملة لتطويرها من قبل هذه الفئة، سواء كانت شركات ناشئة أو مؤسسات ذات خبرة سابقة، مما يساهم في تعزيز ريادة الأعمال وخلق فرص عمل محلية.
وبالرغم من أن المشروع مفتوح أمام الاستثمار الأجنبي، إلا أن المشاركة الدولية ما زالت محدودة، باستثناء شركة تركية تعمل على التخطيط والتصميم العام للمدينة.
رؤية مستقبلية تواكب التطور العالمي
يشكل مشروع مدينة السلطان هيثم تحولاً نوعياً في مفهوم التخطيط الحضري في عُمان، حيث يدمج بين الحداثة والتكنولوجيا الذكية، وبين المحافظة على الهوية العُمانية وحماية البيئة. ووفقاً لوزارة الإسكان والتخطيط العمراني، فإن هذا المشروع ليس مجرد توسع عمراني، بل هو خطوة استراتيجية نحو بناء مدن مستقبلية قادرة على مواكبة التحديات العالمية، وتقديم نموذج متميز من التنمية الشاملة.
وبذلك، تؤكد سلطنة عُمان من خلال هذا المشروع الكبير أنها تتبنى رؤية بعيدة المدى تجمع بين الابتكار والتنمية المستدامة،