دراسة جديدة تكشف: التمارين المكثفة تؤثر على إدراك الزمن وتجعله يبدو أبطأ

لمحة نيوز

هل يمكن أن يتحرك الزمن ببطء عندما نتحرك بسرعة؟
ربما لم يخطر في بالك يومًا أن ركوب الدراجة أو الجري السريع يمكن أن يؤثر على شعورك بالوقت، ولكن هذا ما أثبتته دراسة علمية حديثة نُشرت في مارس 2025. حيث توصّل باحثون من جامعة Canterbury Christ Church البريطانية إلى أن التمارين الرياضية المكثفة تؤثر على إدراكنا للزمن بشكل ملحوظ، وتجعلنا نشعر كما لو أن الوقت يمر أبطأ مما هو عليه في الواقع.

في عصر تتزايد فيه أهمية تحسين الأداء العقلي والبدني معًا، يبدو أن هذا الاكتشاف قد يفتح أبوابًا جديدة لفهم العلاقة بين الجسم والعقل، ليس فقط من منظور فيزيولوجي، بل أيضًا من زاوية زمنية، وهو أمر نادرًا ما تناولته الدراسات السابقة.

تفاصيل الدراسة: عندما يصبح الزمن تجربة شخصية متغيرة
في التجربة التي أجراها الفريق البحثي البريطاني، طُلب من 33 مشاركًا أداء تمارين على دراجات ثابتة لمسافة 4 كيلومترات، تحت ثلاث ظروف مختلفة: بمفردهم، ضد متسابق افتراضي، وضد منافس مباشر. ورغم أن الزمن الفعلي للتمرين لم يتغير، إلا أن المشاركين شعروا بأن الوقت طال بشكل واضح، خاصة خلال التمرينات التي تطلبت

مجهودًا أكبر أو منافسة قوية.

وكانت الفروقات في التقدير الزمني تتراوح بين 7 إلى 12% أطول من الزمن الحقيقي، وهي نسبة اعتبرها العلماء "كبيرة جدًا" مقارنة بالفروق المعتادة في التقدير العقلي للوقت.

الدماغ كمراقب زمني داخلي: لماذا نخطئ في إدراك الوقت؟
يُرجع الباحثون هذا التشويه في إدراك الزمن إلى الآليات العصبية المرتبطة بالوعي والانتباه. أثناء التمارين المكثفة، يكون الدماغ في حالة تأهب شديد، حيث يرتفع النشاط في مناطق مثل القشرة الجبهية الأمامية والأنسولا، وهي المسؤولة عن تحليل المعلومات الحسية والجسدية.

عندما تزداد المحفزات – مثل التعب، سرعة التنفس، الألم العضلي – يعالج الدماغ كمية أكبر من المعلومات في وقت قصير، ما يجعله يشعر بأن الزمن قد تباطأ. يشبّه العلماء الأمر بتسجيل فيديو بكاميرا بطيئة، حيث يبدو الحدث أطول بسبب تفاصيله الكثيرة.

دلالات نفسية: الملل والتحدي وجهان لإدراك الزمن
تشير الدراسة أيضًا إلى أن شعورنا بالملل أو الإثارة ينعكس بشكل مباشر على تصورنا للوقت. هذا ليس جديدًا تمامًا، لكن التمرين المكثف كشف أن الأمر لا يتعلق بالمشاعر فقط، بل بنشاط عصبي حقيقي.


فعندما نشعر بالملل، كما في العمل الروتيني أو الانتظار الطويل، فإن الدماغ لا يستقبل سوى إشارات محدودة، ما يجعل اللحظات تبدو طويلة. لكن في حالات التحدي البدني والعقلي، ورغم التعب، فإن الشعور بالزمن يتشوّه أيضًا – لكن بطريقة مختلفة، قائمة على الجهد العالي والانتباه الحاد.

تطبيقات عملية: كيف نستفيد من هذا الاكتشاف؟
نتائج الدراسة لا تقتصر على فهم الدماغ فحسب، بل تحمل تطبيقات عملية قد تغيّر طريقة تعاملنا مع الوقت. في مجال الرياضة، على سبيل المثال، يمكن استخدام هذه المعرفة في تصميم برامج تدريبية تعتمد على تقنيات تشتيت الانتباه – مثل الموسيقى، الألعاب البصرية، أو المنافسات – بهدف تقليل الإحساس بثقل التمرين.

أما في المجال النفسي، فقد يُوظف هذا الفهم لتحسين استراتيجيات العلاج المعرفي السلوكي، خاصة مع المرضى الذين يعانون من القلق أو الاكتئاب، حيث يُلاحظ أنهم يشعرون بأن الوقت بطيء وثقيل. إذا فهمنا كيف ولماذا يحدث ذلك، يمكننا تقديم حلول عملية، مثل التمارين الرياضية الموجهة أو التحفيز الذهني، لتعديل إدراك الزمن وتحسين المزاج العام.

من التعليم إلى التكنولوجيا: آفاق

واسعة للتطوير
التعليم، أيضًا، يمكن أن يستفيد من هذا المفهوم، خصوصًا مع الأطفال والمراهقين. الحصص الدراسية الطويلة التي تبدو مملة قد تُعاد هيكلتها لتتضمن أنشطة جسدية أو ذهنية قصيرة تعيد ضبط الساعة الداخلية للطلاب، وتحافظ على انتباههم.

وفي مجال التكنولوجيا، بدأت بعض الشركات مثل “NeuroShift” و”SynChronOS” في دراسة تصميم واجهات ذكية يمكن أن تقيّم شعور المستخدم بالزمن وتعيد تنظيم محتوى التطبيقات أو الألعاب بناء على حالته الإدراكية الفورية. هذا قد يؤدي إلى ظهور أنظمة زمنية قابلة للتخصيص داخل الواقع الافتراضي أو الواقع المعزز، تعكس "زمنًا شخصيًا" بدلاً من الزمن الفيزيائي الثابت.

هل يمكننا تشكيل الزمن بإرادتنا؟
في نهاية المطاف، يؤكد هذا الاكتشاف الحديث أن الزمن ليس مفهومًا جامدًا، بل هو مرآة تعكس تفاعل وعينا مع أجسادنا وتجاربنا. إذا كانت التمارين الشاقة قادرة على تغيير إدراكنا للزمن، فإن ذلك يطرح تساؤلات أوسع: هل يمكننا مستقبلاً تصميم ظروف يومنا لتناسب "زمننا العقلي"؟ وهل يكون ذلك هو مفتاح التوازن بين الصحة النفسية والإنتاجية؟

الزمن لم يعد مجرد عقرب يدور على ساعة،

بل تجربة معقدة تصوغها لحظاتنا وتعيد تشكيلها أدمغتنا في كل ثانية.

تم نسخ الرابط