ما السبب الذي دفع عصام كاريكا من الابتعاد عن الغناء؟
كاريكا... حين يغني الصمت و تصفق ايضا معه الذكريات
هناك دائما في كل شارع في كل زقاق شعبي أغنية مرت بنا يوما و تركت أثرا لا يمحى. قد تكون في زفة عروس في فرح بلدي أو حتى في مشهد سينمائي عالق في الأذهان.. و حين تبحث عن من زرع هذه الأغاني في ذاكرتنا ستجد عصام كاريكا... الفنان الذي ينسج الفرح بخيوط من نغم و روح خاصة به.
لكن فجأة ذلك الصوت الذي اعتدنا سماعه في زوايا السينما والأفراح و الحفلات خفت. و الناس تسأل كالعادة
فين كاريكا فين اللي كان صوته بيملأ الشاشات و الحفلات
الوقوف على الرصيف... قرار الفنان الذي يعرف قيمته العالية ..
أنا لا أتصور أن عصام كاريكا غاب بل تخيلته كمسافر اختار أن يقف على رصيف الزمن يراقب من بعيد ضجيج الموسيقى الجديدة و أصوات المهرجانات التي تملأ الأجواء دون أن تستأذن و كأنه يقف و يقول لنفسه
أنا مش من هنا دلوقتي ياعالم ... أنا بتاع زمن كان فيه احترام للنغمة قبل احترام الكلمة.
صوته ما زال يتردد في آذان من أحبوه و لكن حين تحدث كاريكا قالها دون خوف او تردد ربما..
سرقوا
الغنوة اللي لبست وش تاني
نحن لا نتحدث هنا عن تشابه عابر في الألحان بل عن سرقة واضحة كما لو أن أحدهم أخذ لوحة فنية وأعاد تلوينها بألوان سهلة وعلقها في شارع مزدحم.
بوم بوحة تلك الأغنية التي أطلقت الضحك والرقص في فيلم محمد سعد الشهير لم تسلم. تحولت فجأة إلى بوم بيكا و معها كذلك أغنيات أخرى بدلت جلودها دون إذن من صاحبها.
البسكلتة أصبحت الرانج روفر وكاريكا ينظر من بعيد و كأن قلبه يقول
فين الحنية فين الطيبة اللي كنتوا بتاخدوا بيها اللحن و تسألوا عن صاحبه
لكنه رغم الألم يبتسم في داخله لأن قلب الفنان يعرف أن الفن الحقيقي لا يزور بسهولة. قد تسرق الألحان نعم لكن الذكريات لا.
اللحظة التي اختار فيها الصمت
كاريكا لم يلق باللائمة على الجيل الجديد و لم يصرخ غاضبا بل اتخذ قرارا من النوع الذي لا يجيده إلا الكبار أن يخطو للخلف بهدوء ليترك الساحة لفوضى التجريب و يجلس في مكانه كفنان يرى الصورة كاملة.
أنا مش بتاع قضايا و محاكم... أنا بتاع ستوديو
ربما لم يقلها حرفيا لكنه قالها بأفعاله.
فأن تصمت حين يجب أن تتكلم وأن تبتعد حين يغريك الضوء فهذه شجاعة يعرفها القليل من الفنانين.
كاريكا... العازف في الخلفية
أتخيله في منزله الآن يجلس في ركن دافئ عوده بجانبه و أوراق النوتة متناثرة حوله ينظر إلى الأفق ويقول بصوت خفيض
مش هغني في وسط زحمة خناقات المزيكا... هرجع لما الناس تشتاق للأصل مش للنسخة.
كاريكا في هذا الصمت يذكرني بالعازفين في الفرق الموسيقية الكلاسيكية الذين يجلسون صامتين لربع ساعة كاملة فقط بانتظار اللحظة التي يطلب منهم فيها أن يعزفوا تلك النغمة الواحدة التي تغير كل شيء.
هل هو غاضب لا... هو حكيم
الأمر ليس غضبا بقدر ما هو حزن نبيل. كاريكا يعرف أن السوق تغير لكنه لم يتغير داخليا. هو لا يبحث عن ضربة جديدة بل عن لحظة صادقة تعيده إلى الجمهور كما عرفوه... عاشقا للكلمة تاجر فرح في سوق يبيع السعادة على ألحان العود.
وحين يسأله أحدهم أنت راجع للغنا يكفي أن ينظر بابتسامة و يقول
أنا مش رايح بعيد أصلا... بس هستنى الجو يروق.
ما
كاريكا لم يكتب منشورا غاضبا على السوشيال ميديا لم يدخل معركة من تلك المعارك التي تنتهي بحروب تغريدات أو تصريحات نارية. هو قرر أن يكون فنانا كما يعرف الفن الحقيقي بالصمت بالصبر و بالانشغال بالجوهر لا بالصدى.
في قلب المشهد رغم الغياب
الغريب أن كاريكا حاضر رغم أنه ليس في الصورة. ألحانه تتردد على لسان كل من غنوا ألحانه الأصلية أو سرقوها. موجود في الأفراح البلدي في سيارات الميكروباصات وحتى في ذكريات جيل بأكمله كان يرقص في الجامعة على أغانيه دون أن يدري أن هذا النغمة من صنع كاريكا.
الخاتمة... الرسالة التي لم تكتب
عصام كاريكا هو ذلك الفنان الذي قرر أن الفن الحقيقي أعمق من مجرد الموجة العابرة. هو الذي يؤمن أن الطبول قد تصخب للحظة لكن اللحن الأصيل يبقى يتردد في القلب للأبد.
ربما سيعود كاريكا قريبا و ربما لا لكنه حاضر دائما بيننا حتى لو قرر هو أن يغني الآن لروحه فقط.
فهل نكون نحن من يعيد إليه المسرح ربما الإجابة في الحنين الذي نشعر به الآن و نحن نقرأ عنه و نتذكر صوته وهو يقول
بوم