رصد النشاط الزلزالي أثناء حفل تايلور سويفت: أين يلتقي الفن بالمجال العلمي للحفر في عمق الاهتمام الثقافي؟

لمحة نيوز

تحليل موجة "سويفت": عندما يلتقي الفن بالعلوم

في واحدة من أكثر الظواهر الثقافية إثارة للاهتمام في العقد الأخير، تجاوزت حفلات المغنية العالمية تايلور سويفت حدود كونها مجرد عروض موسيقية لتتحول إلى أحداث جيولوجية قابلة للقياس. ما بدأ كملاحظة مثيرة للفضول من قبل عالمة جيولوجيا في سياتل، تحوّل بسرعة إلى ظاهرة علمية عالمية، حيث أظهرت أجهزة قياس الزلازل في مدن مختلفة حول العالم تأثرها بحفلات سويفت. هذه الظاهرة، التي أطلق عليها البعض اسم "سويفت كويك" (Swift Quake)، لا تُظهر فقط قوة قاعدة جماهيرية ضخمة ومتحمسة، بل تفتح أيضًا بابًا جديدًا للبحث العلمي حول تأثير الحشود البشرية على البيئة المحيطة.

البداية: زلزال سياتل و"وحش الزلزال"

بدأت القصة في يوليو 2023، خلال حفلين لتايلور سويفت في ملعب لومن فيلد في سياتل، واشنطن. لاحظت الدكتورة جاكي كابلان-أورباخ، عالمة الزلازل بجامعة ويسترن واشنطن، أن جهاز قياس الزلازل القريب من الملعب سجل نشاطًا ملحوظًا. بالبحث في البيانات، وجدت أن هذا

النشاط تجاوز "وحش الزلزال" (Beast Quake)، وهو مصطلح يُطلق على النشاط الزلزالي الذي سجله نفس الجهاز عام 2011 أثناء احتفال جماهير فريق سياتل سي هوكس لكرة القدم الأمريكية بتسجيل هدف حاسم.

ووفقًا لبيانات الدكتورة كابلان-أورباخ، فإن النشاط الزلزالي الناتج عن حفل سويفت كان يعادل زلزالًا بقوة 2.3 درجة على مقياس ريختر، متجاوزًا قوة "وحش الزلزال" التي كانت تبلغ 2.0 درجة. هذا الفارق الصغير في الأرقام يترجم إلى فارق كبير في الطاقة المنبعثة. وأشارت الدكتورة كابلان-أورباخ إلى أن "وحش الزلزال" كان نتاجًا لحظة واحدة من الحماس، بينما استمر النشاط الزلزالي لحفل سويفت لساعات متتالية، مما يدل على الطاقة الهائلة والمستدامة للحشود.

من سياتل إلى لوس أنجلوس وإدنبرة: ظاهرة عالمية

لم تقتصر هذه الظاهرة على سياتل. فمع استمرار "جولة العصور" (The Eras Tour) حول العالم، بدأت التقارير تتوالى من مدن أخرى. في لوس أنجلوس، أجرى باحثون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس دراسة

مفصلة حول النشاط الزلزالي في ملعب سوفاي. ووجدوا أن حركة الجمهور، وليس الموسيقى نفسها، هي المصدر الرئيسي للارتعاشات الأرضية.

ووفقًا لدراستهم، فإن الأغنية الأكثر تأثيرًا كانت "Shake It Off"، والتي أنتجت اهتزازات أرضية تعادل زلزالًا بقوة 0.85 درجة. الأغاني ذات الإيقاع السريع والقفزات المتزامنة من قبل الجمهور، مثل "Love Story" و"Cruel Summer"، سجلت أيضًا قراءات عالية. وأكد الباحثون أن هذه الاهتزازات كانت بمثابة "رنين" للملعب، حيث انتقلت الطاقة من حركة الجمهور إلى الأرض المحيطة.

الظاهرة تكررت أيضًا في أوروبا. ففي إدنبرة باسكتلندا، رصدت هيئة المسح الجيولوجي البريطانية (BGS) نشاطًا زلزاليًا خلال حفلات سويفت في ملعب موراي فيلد. ووجدت الهيئة أن النشاط وصل إلى ذروته خلال أغنية "Ready For It?"، والتي تتميز بإيقاعها السريع. وأشارت الهيئة إلى أن القراءات كانت قابلة للقياس من مسافة تصل إلى 6 كيلومترات، وهو ما يدل على قوة وشدة الحشود.

ماذا يعني هذا علميًا؟

يُعتبر رصد "سويفت كويك"

فرصة فريدة للعلماء لدراسة سلوك الحشود الكبيرة وتأثيرها على البنية التحتية. ففهم كيفية اهتزاز الملاعب والاستادات في استجابة للحركة البشرية يمكن أن يساعد المهندسين في تصميم هياكل أكثر أمانًا ومرونة في المستقبل. كما أن تحليل هذه البيانات يمكن أن يساهم في فهم أفضل للضوضاء الزلزالية الطبيعية والبشرية، والتي تُعد جزءًا مهمًا من علم الزلازل.

تُظهر هذه الظاهرة أيضًا أن الفن والثقافة ليسا مجرد ترفيه، بل يمكن أن يكونا مصدرًا للبيانات العلمية القيمة. فما كان يُنظر إليه على أنه مجرد حماس جماهيري، أصبح الآن مادة بحثية تُنشر في مجلات علمية مرموقة. هذا التلاقي بين الفن والعلوم يفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين التخصصات، ويُبرز أن الظواهر الثقافية يمكن أن تكون لها آثار مادية ملموسة.

في الختام، فإن "زلزال سويفت" ليس مجرد قصة طريفة، بل هو دليل على قوة الموسيقى في تحريك الناس، حرفيًا. إنه يمثل نقطة التقاء فريدة بين الإبداع الفني والتحليل العلمي، ويذكرنا بأن عالمنا مليء بالظواهر المثيرة التي

لا نعرف عنها سوى القليل.

تم نسخ الرابط