إشارات فضائية اكتشاف جديد يكشف المصدر الحقيقي لموجات راديو غامضة من الفضاء

لمحة نيوز

إشارات فضائية اكتشاف جديد يكشف المصدر الحقيقي لموجات راديو غامضة من الفضاء 

تتصدر الاكتشافات الفلكية عناوين الأخبار بين الحين والآخر إذ يتسابق العلماء في شتى أنحاء العالم لفهم الأجرام السماوية والظواهر الكونية المذهلة، إحدى أكثر هذه الظواهر إثارة للجدل والفضول هي موجات الراديو الغامضة أو ما يعرف علميا بالانفجارات الراديوية السريعة Fast Radio Bursts FRBs، وعلى مدار السنوات الأخيرة أثارت هذه الإشارات العديد من التساؤلات حول مصدرها وكيفية نشأتها إلى أن توصلت دراسات حديثة إلى أدلة جديدة تكشف بعض أسرارها، في هذا المقال نستعرض تفاصيل هذه الإشارات المثيرة والفرضيات المطروحة لتفسيرها وأحدث الاكتشافات التي أماطت اللثام عن أحد مصادرها المحتملة.

 ما هي موجات الراديو الغامضة FRBs

تعرف موجات الراديو الغامضة FRBs بأنها انفجارات قصيرة وعنيفة جدا لموجات راديو تأتي من أعماق الكون وتدوم أجزاء من الثانية أو أجزاء من الألف من الثانية، وعلى الرغم من قصر مدتها فإن الطاقة المنبعثة منها خلال لحظات قليلة تفوق ما تطلقه الشمس خلال عدة عقود، ولعل هذا ما يجعل العلماء شغوفين جدا بدراستها إذ إن هذه الطاقة الهائلة قد تحمل أسرارا مهمة حول طبيعة الأجرام السماوية شديدة التطرف.

اكتشفت أولى الانفجارات الراديوية السريعة في عام 2007 ومنذ ذلك الحين جرى رصد المئات منها، يتنوع مصدرها في بعض الأحيان ليكون قريبا نسبيا من مجرتنا درب التبانة وفي أحيان أخرى يأتي من مسافات شاسعة تصل إلى مليارات السنين الضوئية.

 التحدي في رصد الإشارات وتحديد مصدرها

 1. طبيعة قصيرة للغاية 

تدوم الانفجارات الراديوية السريعة لفترات بالغة القصر مما يجعل تحديد موقعها في السماء أمرا معقدا، فبمجرد التقاط التلسكوب للإشارة قد تكون انتهت بالفعل في أقل من ثانية ما يعني ضياع فرصة تعقبها المباشر.

 2. الحاجة إلى تلسكوبات راديوية متطورة 

لرصد مثل هذه الإشارات بدقة يستعين العلماء بتلسكوبات راديوية ضخمة ومتطورة مثل مصفوفة التردد المنخفض LOFAR في هولندا أو التلسكوب الكندي CHIME أو مصفوفة تلسكوب ألين ATA في كاليفورنيا أو مرصد

أريسيبو في بورتوريكو قبل انهياره أو مصفوفة ميركات MeerKAT في جنوب إفريقيا، وتتيح هذه التلسكوبات التقاط الموجات الراديوية وتحديد أطيافها الزمنية والمكانية.

 3. تحليل البيانات الهائلة 

تنتج هذه التلسكوبات كما هائلا من البيانات الراديوية على مدار الساعة، وبالتالي يستعين الباحثون بخوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات معالجة البيانات المتقدمة للكشف عن الإشارات القصيرة جدا وتحديد مواصفاتها مثل الطول الموجي وقوة التدفق الزمني.

 الفرضيات المبدئية لتفسير الانفجارات الراديوية السريعة

1. اصطدام نجوم نيوترونية 

 النجوم النيوترونية هي بقايا مضغوطة لنجوم ضخمة انفجرت في صورة مستعر أعظم Supernova، وعند اصطدام نجمين نيوترونيين قد ينشأ انفجار هائل يطلق موجات راديوية كثيفة في فترة وجيزة.

2. ثقوب سوداء أو أقزام بيضاء 

 اقترح بعض العلماء أن بعض الانفجارات الراديوية السريعة قد تكون مرتبطة بانهيارات أو اندماجات مرتبطة بالثقوب السوداء فائقة الكتلة أو الأقزام البيضاء فائقة الكثافة، وهذه السيناريوهات لا تزال قيد البحث والتدقيق.

3. مغناطيسيات Magnetars

 المغناطيسيات هي نجوم نيوترونية تمتلك أقوى الحقول المغناطيسية المعروفة في الكون وسبق أن رصدت موجات راديو قوية ناتجة عن انفجارات متكررة في مغناطيسيات داخل مجرتنا درب التبانة ما عزز فرضية أنها قد تكون أحد المصادر الرئيسة ل.

4. كائنات ذكية متقدمة 

 من أبرز التفسيرات الشعبية وإن كانت أقل قبولا علميا فكرة أن هذه الإشارات قد تكون ناتجة عن تقنيات متطورة لحضارات فضائية، إلا أن الأغلبية الساحقة من العلماء تميل إلى التفسيرات الفيزيائية الفلكية قبل افتراض وجود ذكاء خارجي، والاكتشاف الجديد تحديد المصدر الحقيقي لإحدى الموجات

خلال السنوات الماضية تمكن العلماء من تعقب مصدر محدد لبعض الإشارات الراديوية السريعة، أبرز هذه الحالات كانت في عام 2020 حينما رصد العلماء انفجارا راديويا سريعا في مجرة قزمة تبعد نحو 500 مليون سنة ضوئية، لكن الاكتشافات الأخيرة سجلت اختراقا أكبر حينما تم تحديد مصدر انبعاث جديد في نطاق أقرب نسبيا.

 1. دور التلسكوب

الكندي CHIME 

يعد التلسكوب الكندي أحد أهم الأدوات المستخدمة في اصطياد هذه الإشارات نظرا لقدرته على مسح مساحة شاسعة من السماء باستمرار، في عام 2022 رصد التلسكوب إشارة سريعة متكررة أطلق عليها الرمز FRB 20221022A، وبفضل تطور خوارزميات تحليل البيانات أمكن تحديد الزمن الدقيق لوصول الإشارة والتغير في تردداتها.

 2. تأكيد الإشارة باستخدام مراصد أخرى 

لإثبات دقة الاكتشاف استخدم تلسكوب ميركات MeerKATفي جنوب إفريقيا إذ ساعد على تثليث موقع الانفجار الراديوي في السماء، ومن خلال المقارنة بين البيانات الواردة من CHIME و حصل الباحثون على صورة أكثر وضوحا لمصدر الإشارة.

 3. بيئة شديدة القرب من نجم نيوتروني 

تشير نتائج الدراسة إلى أن الإشارة نشأت بالقرب من نجم نيوتروني على بعد مسافة ضئيلة جدا تقدر بآلاف الكيلومترات فقط وهي بيئة مغناطيسية هائلة تعرف باسم المغناطيسفير، تتميز هذه المنطقة بكونها ذات مجال مغناطيسي عنيف قادر على تمزيق الذرات وإنتاج كميات هائلة من الطاقة.

 4. احتمالية وجود رفيق نجمي 

يرجح وجود نجم قزم أبيض أو نجم عادي يدور حول النجم النيوتروني، وعندما تتفاعل الرياح النجمية الصادرة عن القزم الأحمر أو النجم المرافق مع الحقل المغناطيسي القوي للنجم النيوتروني تتولد انفجارات راديوية قصيرة وعنيفة تشبه ما نراه في الانفجارات الراديوية السريعة.

 مغزى هذا الاكتشاف وأهميته

1. تأكيد دور المغناطيسيات 

 يعزز هذا الاكتشاف فرضية أن بعض الانفجارات الراديوية السريعة قد تصدر من بيئات مغناطيسية متطرفة، وكما يدعم فكرة وجود آليات فيزيائية معقدة تولد هذه الإشارات على مسافات قريبة من نجوم نيوترونية.

2. توسيع آفاق البحث 

 بات العلماء يدركون الآن أن ثمة تنوعا أكبر في مصادر الإشارات الراديوية السريعة، فقد تصدر من نجوم نيوترونية أو أقزام بيضاء أو أنظمة ثنائية تجمع بين أجرام مختلفة، ويزيد هذا من تعقيد البحث ويستوجب بناء نظريات شاملة تفسر الأنماط المختلفة.

3. استخدام تقنيات متطورة في الرصد 

 تمثل هذه الدراسة نموذجا عن نجاح الذكاء الاصطناعي في مسح

كميات هائلة من البيانات الفلكية وتعزيز دقة تحديد مواقع الانفجارات، وتظهر قوة التعاون الدولي بين مراصد متعددة الكندي الجنوب إفريقي وغيرها في حل ألغاز فلكية عميقة.

4. نافذة لفهم الكون المبكر 

 نظرا لأن بعض هذه الإشارات تأتي من مسافات شاسعة فإن دراسة الانفجارات الراديوية السريعة قد تفتح نافذة على الكون المبكر وتساعد في فهم تطور النجوم والمجرات عبر مليارات السنين.

 هل انتهى اللغز

على الرغم من أن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو تفسير بعض مصادر الانفجارات الراديوية السريعة فإن الصورة الكاملة لم تتبلور بعد، لا يزال هناك الكثير من الإشارات الراديوية الغامضة التي لا تتبع النمط نفسه وقد يكون مصدرها أجرام أو ظواهر مختلفة كليا، في الواقع يرى بعض العلماء أن FRBs ليست فئة واحدة بل عدة فئات قد تضم انفجارات منفردة Single Bursts وانفجارات متكررة ذات دورية منتظمة وانفجارات متقطعة تتكرر على فترات زمنية عشوائية

ويحتاج كل نوع منها إلى دراسة معمقة ونماذج فيزيائية قد تكون متباينة، لكن ما يتفق عليه الجميع هو أن كل اكتشاف جديد يوسع حدود معرفتنا ويؤكد لنا أن الكون أعقد وأعجب مما نتصور.

وفي الختام منذ رصد أول انفجار راديوي سريع عام 2007 وحتى اللحظة قطعت الأبحاث شوطا هائلا في فك طلاسم هذه الإشارات الكونية المدهشة، ومع أن الاكتشاف الجديد يبين بوضوح أن بعض الانفجارات الراديوية السريعة تنشأ في بيئات مغناطيسية قاسية قرب نجوم نيوترونية أو أقزام بيضاء فإن القصة لا تنتهي هنا، فكلما زادت قدرات التلسكوبات الراديوية على الرصد وتطورت تقنيات تحليل البيانات ستتوالى المفاجآت وقد تظهر مصادر جديدة تماما لهذه الإشارات.

في نهاية المطاف تبرهن موجات الراديو الغامضة على مدى ثراء الكون بالظواهر الشديدة والغامضة كما تعكس قدرة العلماء المتزايدة على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في اكتشاف أسرار جديدة، ورغم كل ما تحقق لا تزال هناك أسئلة كثيرة بانتظار الإجابة ما النماذج النهائية التي ستوحد فئات الانفجارات الراديوية السريعة وهل سنرصد إشارات أشد غرابة وماذا سيحدث عندما تدخل مصفوفة الكيلومتر المربع SKA حيز التشغيل الكامل والأيام

وحدها كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات بينما يظل شغف الباحثين مشتعلا منتظرا كل ومضة خاطفة قادمة من أعماق السماء.

تم نسخ الرابط