على حافة الغلاف الجوي: كيف تُغير الأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة جدًا مستقبل التكنولوجيا الفضائية

قمر صناعي على حافة
قمر صناعي على حافة الغلاف الجوي

سباق الفضاء الجديد: الأقمار الصناعية في مدارات منخفضة جدًا تُحدث ثورة في استكشاف الفضاء

في أعالي سماء الأرض، بدأ سباق فضاء جديد، لكنه هذه المرة ليس بعيدًا عنا كما قد نتصور. إنه يحدث على حافة الغلاف الجوي للأرض، حيث تحاول الشركات تطوير فئة جديدة من الأقمار الصناعية التي تعمل في مدارات منخفضة جدًا (VLEO)، وهي منطقة كانت تُعتبر حتى وقت قريب غير قابلة للاستغلال بسبب التحديات الفنية الكبيرة. 

هذه الأقمار الصناعية الجريئة ليست مجرد طائرات عالية الارتفاع ولا أقمارًا صناعية تقليدية تدور في مدارات منخفضة، بل هي مصممة لتقديم فوائد هائلة من خلال العمل في هذه المنطقة غير المستغلة.

مدارات الأرض: من المرتفع إلى المنخفض جدًا

حاليًا، يدور حول كوكبنا ما يقارب 10 آلاف قمر صناعي، بسرعات تصل إلى 17 ألف ميل في الساعة (27 ألف كيلومتر في الساعة).

 هذه الأجهزة الدقيقة تعتمد على السرعات العالية لتجنب السقوط نحو الأرض، حيث إنها في حالة سقوط حر مستمر. 

الزخم الجانبي الكبير الذي تتمتع به هذه الأقمار الصناعية يعادل قوة الجاذبية الأرضية، مما يبقيها في مدارها.

ومع ذلك، فإن الفئة الجديدة من الأقمار الصناعية تهدف إلى تجاوز هذه الحدود التقليدية. تُعرف هذه الفئة باسم "مدار الأرض المنخفض جدًا" (

VLEO)، وهي منطقة تقع أسفل مدار الأرض المنخفض (LEO) الذي تدور فيه محطة الفضاء الدولية على ارتفاع حوالي 250 ميلاً (400 كيلومتر). 

في VLEO، تكون الأقمار الصناعية على ارتفاع يتراوح بين 60 إلى 250 ميلاً (100 إلى 400 كيلومتر)، حيث يتعين عليها مواجهة سحب أكبر بكثير من الهواء في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.

التحديات والفرص في مدار VLEO

العمل في مدار VLEO ليس بالأمر السهل. يقول هيو لويس، أستاذ علم الملاحة الفضائية في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة: "ستزداد كثافة الغلاف الجوي بشكل كبير مع اقترابك من الأرض". هذا السحب الجوي الكبير يمكن أن يؤدي إلى فقدان القمر الصناعي لزخمه، مما يتسبب في سقوطه نحو الأرض. ومع ذلك، إذا تمكنت الأقمار الصناعية من التغلب على هذه التحديات، فإنها قد تحقق شيئًا مذهلاً: الطيران إلى الأبد.

يقول سبنس وايز، نائب الرئيس الأول في شركة ريدواير: "عندما تبدأ في وصف هذه الأقمار للناس، تبدأ في الشعور وكأنها آلة حركة دائمة". 

هذه الفكرة ليست بعيدة عن الواقع، حيث تعمل عدة شركات على تطوير تقنيات تسمح للأقمار الصناعية بحصاد الهواء من الغلاف الجوي واستخدامه كوقود، مما يمكنها من البقاء في المدار لفترات طويلة.

تقنية الدفع الكهربائي الذي يتنفس الهواء (ABEP)

إحدى التقنيات

الواعدة في هذا المجال هي "الدفع الكهربائي الذي يتنفس الهواء" (ABEP). 

تعتمد هذه التقنية على حصاد جزيئات الهواء من الطبقة الرقيقة في مدار VLEO، ومن ثم تأيينها لتوليد البلازما التي تُستخدم كوقود. يقول فرانشيسكو رومانو، عالم في مركز البلازما السويسري: "الفكرة هي استخدام نفس الهواء الذي يبطئ القمر الصناعي كوقود". إذا نجحت هذه التقنية، فإنها ستسمح للأقمار الصناعية بالبقاء في المدار لفترات غير محدودة.

الشركات الرائدة في السباق

بدأت عدة شركات في استكشاف إمكانات تقنية ABEP. من بينها شركة Stellar Advanced Concepts في لندن، التي حصلت على منحة حكومية بقيمة 390 ألف جنيه إسترليني (510 آلاف دولار) لتطوير هذه التقنية. تأمل الشركة في إطلاق عرض توضيحي للتكنولوجيا بحلول عام 2027. كما تعمل شركة Kreios Space الإسبانية على نموذج أولي لـ ABEP تهدف إلى إطلاقه بحلول عام 2026.

وفي الولايات المتحدة، خصص برنامج أوتر التابع لوزارة الدفاع أكثر من 20 مليون دولار لدعم تطوير أقمار صناعية قادرة على العمل في مدارات VLEO. شركة ريدواير، على سبيل المثال، تعمل على تصميم "طائرة بدون طيار مدارية" تسمى سابر سات، والتي قد تتمكن من تحقيق مدارات لا نهائية باستخدام تقنية ABEP.

فوائد مدارات VLEO

هناك العديد من الفوائد المحتملة

لتشغيل الأقمار الصناعية في مدارات VLEO.

 أولاً، كلما اقترب القمر الصناعي من الأرض، زادت دقة الصور التي يمكنه التقاطها. هذا مفيد للتطبيقات العسكرية والمدنية على حد سواء، مثل مراقبة حرائق الغابات والزراعة والأنشطة البحرية.

ثانيًا، يمكن للأقمار الصناعية في مدارات VLEO أن توفر اتصالات فائقة السرعة، حيث تكون أقرب إلى الأرض. هذا يمكن أن يمكّن من تقديم خدمات إنترنت فضائية مباشرة إلى الهواتف المحمولة، مما يقلل من الحاجة إلى أبراج الاتصالات التقليدية.

التحديات المستقبلية

رغم الفوائد الكبيرة، فإن العمل في مدارات VLEO لا يخلو من التحديات. الأقمار الصناعية في هذه المنطقة تكون حساسة بشكل خاص لتأثيرات النشاط الشمسي، حيث يمكن أن تتسبب العواصف الجيومغناطيسية في زيادة السحب الجوي بشكل كبير، مما يؤدي إلى سقوط الأقمار الصناعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحطام الناتج عن هذه الأقمار قد يشكل خطرًا على الأقمار الصناعية الأخرى في مدارات أعلى.

سباق الفضاء الجديد نحو مدارات VLEO يبشر بعصر جديد من التكنولوجيا الفضائية. مع تطور تقنيات مثل ABEP، قد تصبح الأقمار الصناعية القادرة على العمل في هذه المنطقة غير المستغلة حقيقة واقعة في السنوات القليلة المقبلة. من ينجح في اختراق هذه التحديات سيكون له اليد العليا في سوق

الأقمار الصناعية، الذي يُتوقع أن يصل حجمه إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2032.

تم نسخ الرابط