أسرع من البرق! مسبار باركر يلامس حافة الشمس بسرعة خيالية
مسبار باركر يلامس الشمس: إنجاز علمي بسرعة خيالية
في إنجاز علمي غير مسبوق، دخل مسبار "باركر سولار بروب" (Parker Solar Probe) التابع لوكالة ناسا التاريخ عندما أصبح أول مركبة فضائية تلمس الغلاف الخارجي للشمس، المعروف باسم الإكليل الشمسي (Corona).
وصلت سرعة المسبار إلى أكثر من 700,000 كيلومتر في الساعة، مما يجعله أسرع جسم صنعه البشر على الإطلاق.
هذا الحدث يمثل تقدمًا هائلًا في دراسة الشمس وفهم تأثيرها على النظام الشمسي، حيث يوفر المسبار بيانات غير مسبوقة عن بيئة الشمس القاسية.
ما هو مسبار باركر؟ ولماذا تم إطلاقه؟
مسبار باركر سولار بروب هو مركبة فضائية مصممة خصيصًا لدراسة الشمس عن قرب. أطلقته وكالة ناسا في 12 أغسطس 2018 ضمن مهمة تهدف إلى الاقتراب من الشمس أكثر من أي وقت مضى، بهدف دراسة خصائص الغلاف الجوي الشمسي والرياح الشمسية وتأثيرها على النظام الشمسي.
سُمّي المسبار على اسم عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي يوجين باركر، الذي كان أول من اقترح وجود الرياح الشمسية في خمسينيات القرن الماضي. هذه الرياح عبارة عن تدفقات من الجسيمات المشحونة التي تنبعث باستمرار من الشمس وتؤثر على الكواكب والمجالات المغناطيسية في الفضاء.
كان الهدف الأساسي من إرسال المسبار هو فهم كيفية نشوء الرياح الشمسية، وكيفية تفاعلها مع الحقول المغناطيسية
كيف تمكن المسبار من "ملامسة" الشمس؟
الوصول إلى الشمس ليس بالمهمة السهلة، لأن أي مركبة فضائية تقترب من نجمنا تحتاج إلى مقاومة درجات حرارة مرتفعة جدًا وقوى جاذبية هائلة.
لذا، صُمم مسبار باركر بمواصفات فريدة:
1️⃣ درع حراري متطور:
يُغطى المسبار بدرع مصنوع من مادة الكربون المقوى بسمك 11.5 سم، والذي يستطيع تحمل درجات حرارة تتجاوز 1300 درجة مئوية، مما يحمي أجهزته الداخلية من الحرارة الشديدة.
2️⃣ سرعة خارقة:
يعتبر باركر أسرع مركبة فضائية أُطلقت حتى الآن، حيث بلغت سرعته 700,000 كيلومتر في الساعة، أي أنه يستطيع السفر من نيويورك إلى طوكيو في أقل من دقيقة واحدة!
3️⃣ تقنيات متقدمة للحفاظ على الطاقة والتبريد:
يحتوي المسبار على نظام تبريد مبتكر يستخدم الماء المبرد لمنع الأجهزة الداخلية من السخونة الزائدة، بالإضافة إلى تقنيات ملاحة تسمح له بتعديل موقعه باستمرار لتجنب التعرض المفرط للإشعاع الشمسي.
الدخول إلى الإكليل الشمسي
في ديسمبر 2021، أكدت ناسا أن المسبار دخل رسميًا الإكليل الشمسي أثناء دورانه حول الشمس على مسافة 13 مليون كيلومتر فقط من سطحها. هذا يعني أن المسبار أصبح محاطًا مباشرة بجسيمات الشمس النشطة والمجالات المغناطيسية التي لم تتم دراستها
لتحقيق هذا الإنجاز، استخدم المسبار تقنية المساعدة بالجاذبية (Gravity Assist) عن طريق المرور بالقرب من كوكب الزهرة عدة مرات. هذه التقنية مكنته من تقليل سرعته المدارية والانجذاب أكثر نحو الشمس، مما جعله يقترب أكثر فأكثر في كل دورة.
أهمية هذا الإنجاز العلمي
1️⃣ فهم أصل الرياح الشمسية وتأثيرها على الأرض
الرياح الشمسية هي تيارات قوية من الجسيمات المشحونة التي تخرج من الشمس بسرعة هائلة. عندما تصل إلى الأرض، يمكن أن تؤثر على المجالات المغناطيسية للأرض، مما يؤدي إلى ظواهر مثل الشفق القطبي، ولكنها قد تسبب أيضًا عواصف مغناطيسية قادرة على تعطيل شبكات الاتصالات والأقمار الصناعية.
من خلال دراسة الرياح الشمسية من مصدرها مباشرة، يمكن للعلماء تحسين قدرتهم على التنبؤ بالعواصف الشمسية، مما قد يساعد في حماية البنية التحتية التكنولوجية على الأرض.
2️⃣ تحليل الغلاف الجوي للشمس (الإكليل الشمسي)
الإكليل الشمسي هو المنطقة الخارجية من الغلاف الجوي للشمس، وهي أكثر حرارة بشكل غامض من سطح الشمس نفسه. في حين أن درجة حرارة سطح الشمس تبلغ حوالي 5,500 درجة مئوية، فإن درجة حرارة الإكليل تصل إلى ملايين الدرجات المئوية!
هذه الظاهرة الغامضة تُعرف باسم "مفارقة التسخين الإكليلي"، ولم يتمكن العلماء حتى الآن من فهم سببها. البيانات
3️⃣ تحسين نظريات الفيزياء الفلكية
الشمس هي النموذج الأساسي لدراسة النجوم الأخرى في الكون. عندما نفهم كيف تعمل الشمس، يمكننا فهم كيف تؤثر النجوم على مجراتها، وكيف تتطور الأنظمة الكوكبية حولها.
المعلومات التي يجمعها باركر قد تؤدي إلى تحديث نماذجنا الفيزيائية حول سلوك البلازما في الفضاء، وهو أمر مهم لفهم العديد من الظواهر الكونية.
ما التالي لمسبار باركر؟
على الرغم من الإنجاز العظيم بدخوله الإكليل الشمسي، إلا أن مهمة باركر لم تنته بعد. من المتوقع أن يواصل المسبار الاقتراب أكثر فأكثر من الشمس حتى يصل إلى مسافة 6.1 مليون كيلومتر فقط من سطحها بحلول عام 2025.
مع كل اقتراب، سيجمع المسبار مزيدًا من البيانات حول الحقول المغناطيسية للشمس، والجسيمات الشمسية، ودرجة حرارة الإكليل، مما يساعد العلماء على تكوين صورة أوضح عن كيفية تأثير الشمس على بقية النظام الشمسي.
الخاتمة
مهمة مسبار باركر سولار بروب ليست مجرد إنجاز تقني، بل هي قفزة نوعية في استكشاف الفضاء وفهم أعمق للكون.
لأول مرة في تاريخ البشرية، أصبح لدينا القدرة على لمس نجم ودراسته عن قرب، مما يفتح أبوابًا جديدة لاكتشافات مذهلة في علوم الفضاء والفيزياء الفلكية.
هذا الإنجاز يعكس قدرة العلم على تجاوز الحدود المستحيلة، ويقربنا أكثر
ومع استمرار رحلة باركر، نحن على موعد مع مزيد من الاكتشافات التي قد تغير نظرتنا إلى الشمس والفضاء من حولنا.