ترامب يستثني أربع دول من التعريفات الجمركية ماهي؟

لمحة نيوز

المقدمة: قرارٌ هزَّ العالم التجاري

في مارس 2018، أقدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على خطوةٍ أثارت جدلًا عالميًا: فرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على الألومنيوم، متذرعًا بتهديد هذه الواردات للأمن القومي الأمريكي بموجب المادة 232. لكن المفاجأة كانت في استثناء أربع كيانات رئيسية: كندا، المكسيك، كوريا الجنوبية، والاتحاد الأوروبي.
فما القصة الكامنة وراء هذه الإعفاءات؟ وهل كانت أداة ضغط سياسي أم محاولة لحماية الاقتصاد؟ هذا المقال يُجيب.

1. اللعبة الجيوسياسية: كيف استخدم ترامب الإعفاءات كورقة ضغط؟

لم تكن الإعفاءات مجرد قرار اقتصادي، بل كانت جزءًا من استراتيجية ترامب لتعزيز النفوذ الأمريكي. فمن خلال منح مهلة مؤقتة للدول المُستثناة، سعى ترامب إلى:

إجبار الحلفاء على دعم سياساته ضد الصين، خصوصًا في ملفات مثل سرقة الملكية الفكرية.

إعادة التفاوض حول الاتفاقيات التجارية، كما حدث مع كندا والمكسيك عبر إلغاء اتفاقية نافتا واستبدالها بـ USMCA.

تقوية الموقف التفاوضي للولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية.

وهكذا، تحولت الإعفاءات إلى "مكافأة" مشروطة بالولاء السياسي والمصالح المشتركة.

2. من الاستثناء إلى المواجهة: الإعفاءات المؤقتة التي أشعلت نزاعات

بدأت القصة بإعفاءاتٍ وُصفت

بـ"الهدنة المؤقتة"، لكنها سرعان ما تحولت إلى ساحة صراع:

كندا والمكسيك: بعد شهرين فقط من الإعفاء، أُعيد فرض الرسوم عليهما في يونيو 2018، مما دفع كندا إلى ردٍّ قاسٍ تمثّل في فرض رسوم على منتجات أمريكية بقيمة 12.8 مليار دولار، بما فيها صلصة الطماطم والويسكي!

الاتحاد الأوروبي: رفض تقديم تنازلات بشأن علاقاته التجارية مع الصين، ففُرضت عليه الرسوم، ليرد بفرض تعريفات انتقامية على الدراجات النارية والجينز الأمريكي.

هذه التصعيدات كشفت هشاشة التحالفات التجارية في عصر الحمائية.

3. المادة 232: سلاح قانوني أم ذريعة لخلق أزمات؟

استند ترامب إلى المادة 232 من قانون التوسع التجاري لعام 1962، والتي تسمح بفرض رسوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي. لكن استخدامها في هذا السياق أثار جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا واسعًا:

منظمة التجارة العالمية (WTO) اعتبرت الذريعة الأمنية "غير مبررة"، لا سيما أن معظم الواردات كانت من دول حليفة في الناتو.

خبراء القانون الدولي رأوا في القرار سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام تحويل المنافسة الاقتصادية إلى حروب باردة.

ترامب نفسه اعترف لاحقًا بأن الهدف الحقيقي من الرسوم هو "إجبار الصين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات".

4. كوريا الجنوبية نموذجًا: فن تحويل التهديد إلى فرصة

من بين الدول المُعفاة، برزت

كوريا الجنوبية كنموذجٍ ذكي في التعامل مع الأزمة. فبدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة، قبلت:

تخفيض صادراتها من الصلب إلى الولايات المتحدة بنسبة 30%، مع تحديد حصص واضحة.

فتح أسواقها بشكل أوسع أمام السيارات الأمريكية، كجزء من اتفاقية أُعيد التفاوض عليها في 2018.

ونتيجة لذلك، حصلت على إعفاء دائم، في حين خسرت دول أخرى، مثل تركيا، مليارات الدولارات بسبب رفضها تقديم تنازلات مماثلة.

5. الضحايا الخفيون: قطاعات أمريكية دمرتها التعريفات

رغم الهدف المُعلن المتمثل في حماية الصناعة الأمريكية، كانت للتعريفات آثار عكسية على قطاعات محلية عديدة:

صناعة السيارات: ارتفعت تكاليف الإنتاج بسبب زيادة أسعار الصلب، مما دفع شركات مثل فورد إلى إغلاق مصانع وتسريح آلاف العمال.

قطاع البناء: زادت تكلفة مشاريع البنية التحتية بنسبة تصل إلى 15%، وفقًا لـ الجمعية الوطنية للمقاولين.

المزارعون الأمريكيون: تضرروا من الرسوم الانتقامية التي فرضتها كندا والاتحاد الأوروبي على منتجات مثل الصويا والذرة.

هذا التناقض بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية يثير تساؤلات عميقة: هل كانت التعريفات انتصارًا اقتصاديًا، أم انتحارًا سياسيًا؟

6. من ترامب إلى بايدن: إرثٌ تجاري لم يُدفن بعد

مع تولي جو بايدن الرئاسة في 2021، حاول تهدئة النزاعات التجارية،

إلا أن إرث ترامب ظل حاضرًا بقوة:

الاتحاد الأوروبي: توصّل بايدن إلى اتفاق في 2021 لوقف الرسوم على الصلب الأوروبي، لكن بشروطٍ تضمن حماية الصناعة المحلية الأمريكية.

الصين: لا تزال الرسوم المفروضة عليها قائمة، رغم انتقادات بايدن لأساليب ترامب.

المادة 232: ما زالت تُستخدم كأداة ضغط، لا سيما تجاه دول مثل روسيا في ظل أزمة أوكرانيا.

هذا يؤكد أن سياسة "أمريكا أولًا" لم تكن مجرد شعار، بل تحولت إلى نهج مستمر في السياسة التجارية الأمريكية.

7. الصين في الظل: هل كانت الإعفاءات لعزلها؟

رغم أن الصين لم تُذكر ضمن قائمة الدول المُستهدفة بالإعفاء، إلا أنها كانت الخصم الخفي في هذه المعركة:

استراتيجية ترامب سعت إلى تشكيل تحالف دولي ضد الصين، من خلال ربط الإعفاءات بتقديم الحلفاء دعمًا ضد بكين.

الصين نفسها ردت بفرض رسوم على 128 منتجًا أمريكيًا، مما أشعل حربًا تجارية بلغت ذروتها بفرض رسوم على 250 مليار دولار من البضائع.

وبذلك، تحولت الإعفاءات إلى جزء من معركة أوسع للهيمنة على الاقتصاد العالمي.

الخاتمة: دروسٌ من حرب التعريفات

قرار ترامب بإعفاء أربع دول من الرسوم الجمركية لم يكن مجرد سياسة اقتصادية، بل شكّل مرآة لعالمٍ تتصارع فيه القوى العظمى على الأسواق والنفوذ. ورغم أن بعض الدول نجحت في تحويل الأزمة إلى فرصة، إلا

أن التداعيات كشفت مخاطر تحويل التجارة إلى سلاح سياسي.
السؤال الذي يبقى: هل يمكن إصلاح النظام التجاري العالمي، أم أننا ندخل عصرًا جديدًا من الانقسامات والمنافسات الحادة؟

تم نسخ الرابط