التعليم الإماراتي في مؤشرات PISA: تحليل التقدم وإستراتيجيات التحسين.

لمحة نيوز

التعليم الإماراتي في مؤشرات PISA: قراءة في التقدم وإستراتيجيات التحسين

سجّل نظام التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة حضوراً ملحوظاً في الاختبارات الدولية، وعلى رأسها البرنامج الدولي لتقييم الطلبة "PISA"، الذي يُعد من أبرز المؤشرات العالمية لقياس جودة التعليم ومخرجاته. ويشكّل هذا البرنامج مرآة حقيقية لمستوى الطلبة في مهارات القراءة والرياضيات والعلوم، ما يوفّر قاعدة بيانات علمية تمكّن صانعي القرار من تطوير السياسات التعليمية المستندة إلى الأدلة.

تحسن تدريجي على مدى الدورات

منذ أول مشاركة للإمارات في اختبارات PISA عام 2009، ظهرت إشارات واضحة على حرص الدولة على تحسين موقعها ضمن التصنيف العالمي. ففي دورة 2018، سجّلت الإمارات نتائج أعلى من المعدل العالمي في مجال القراءة، محققة 432 نقطة، بينما بلغ المعدل العالمي 487 نقطة. أما في الرياضيات والعلوم، فقد اقتربت الإمارات من المعدل العالمي، مع تسجيل 435 و434 نقطة على التوالي.

وقد انعكست هذه النتائج على ترتيب الدولة في المؤشر العام، حيث حافظت على موقعها ضمن الدول العشرين الأولى عالمياً في جودة التعليم في بعض

المحاور، لتتجاوز بذلك العديد من الدول المتقدمة، خاصة على صعيد التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

المدارس الخاصة تتصدر المشهد

تشير تحليلات النتائج إلى أن أداء الطلبة في المدارس الخاصة – التي تضم أكثر من 70% من الطلاب في الدولة – كان أعلى من نظرائهم في المدارس الحكومية، لا سيما في المهارات التحليلية واللغوية. ويُعزى هذا الفارق جزئياً إلى تنوع المناهج التي تعتمدها المدارس الخاصة، ومنها البريطاني والأمريكي والبكالوريا الدولية، ما يوفّر للطلبة فرصاً تعليمية متقدمة تعزز التفكير النقدي والتعلم الذاتي.

لكن في المقابل، تسعى وزارة التربية والتعليم إلى تقليص هذا الفارق من خلال تطوير منظومة التعليم الحكومي، عبر تحديث المناهج، وتحسين تدريب المعلمين، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية.

إستراتيجيات التطوير: تركيز على المهارات لا المعلومات

أظهرت نتائج PISA أن الدول التي تحقق أداءً عالياً تركز على تعليم الطلبة المهارات الأساسية، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والقراءة التحليلية، بدلاً من الحفظ والاستظهار. وانطلاقاً من ذلك، وضعت دولة الإمارات إستراتيجيات تعليمية تستند إلى هذه

المعايير، فتم اعتماد "الإطار الوطني للمناهج" الذي يركز على نواتج التعلم، ويعزز المهارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي وسوق العمل المستقبلية.

كما أطلقت الوزارة عدداً من المبادرات النوعية، مثل "مدارس الأجيال"، التي تمثل نموذجاً تعليمياً متكاملاً يستند إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتجمع بين المناهج الوطنية والعالمية. ويهدف هذا النموذج إلى رفع مستوى التحصيل الأكاديمي، وتقليص الفجوة بين التعليم المدرسي ومتطلبات الحياة الجامعية والمهنية.

التقنية في قلب العملية التعليمية

من أبرز ملامح التحول الذي تشهده المنظومة التعليمية الإماراتية هو التوسع في التعليم الرقمي، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في الفصول الدراسية. وقد أثبتت جائحة "كوفيد-19" فعالية هذا التوجه، إذ كانت الإمارات من أوائل الدول التي استطاعت ضمان استمرارية التعليم عبر المنصات الذكية.

وباتت المهارات الرقمية من الركائز الأساسية في تقييم جودة التعليم، ما عزز فرص الطلبة في التفاعل مع محتوى متنوع، واكتساب مهارات ذات صلة بالقرن الحادي والعشرين.

التحديات المستقبلية: تكافؤ الفرص وضمان الجودة*

رغم التقدم الملحوظ، ما زالت هناك تحديات

تواجه التعليم في الدولة، وفي مقدمتها مسألة تكافؤ الفرص بين مختلف المناطق والفئات، وضرورة توحيد معايير الجودة بين المدارس الخاصة والحكومية. كما تشكّل الفجوة بين أداء الذكور والإناث في بعض المهارات تحدياً إضافياً يتطلب معالجة شاملة.

وتؤكد تقارير دولية أن الاستثمار المستدام في تأهيل المعلمين وتطوير أدوات التقييم يعد من العوامل الحاسمة لضمان تحسن الأداء في الدورات المقبلة من PISA. ولذلك، تعمل وزارة التربية والتعليم على إطلاق برامج تدريبية طويلة الأمد، بالشراكة مع مؤسسات أكاديمية دولية، لتأهيل الكوادر التربوية وفق أحدث المعايير العالمية.

نحو مستقبل تعليمي رائد

لا تقتصر أهمية اختبارات PISA على تصنيف الدول فحسب، بل تكمن في قدرتها على قياس جودة المخرجات التعليمية بطريقة عملية وواقعية. ومن هذا المنطلق، تواصل دولة الإمارات العمل على رفع سقف طموحاتها في هذا المجال، بهدف الوصول إلى مصاف الدول العشر الأولى عالمياً في التعليم، ضمن مستهدفات "رؤية الإمارات 2031".

ويبدو أن الطريق نحو تحقيق هذا الهدف يمر عبر مزيج من الابتكار، وتكافؤ الفرص، والاستثمار المستمر في العنصر البشري، ما يجعل التجربة

الإماراتية في التعليم نموذجاً يُحتذى في المنطقة.

تم نسخ الرابط