تحت ملعب كرة قدم في فيينا، عثر علماء الآثار على مقبرة جماعية تعود إلى حقبة كانت الإمبراطورية الرومانية

لمحة نيوز

في أكتوبر 2024، أثناء أعمال تجديد ملعب كرة القدم في حي سيمرينغ بفيينا، اكتشف عمال البناء مقبرة جماعية تحتوي على رفات حوالي 150 جنديًا من الحقبة الرومانية. تم الإعلان عن هذا الاكتشاف في أبريل 2025، ويُعتبر ذا أهمية كبيرة نظرًا لندرة العثور على دفن جماعي من هذا النوع، حيث كان الحرق هو الطقس الجنائزي الشائع في تلك الفترة من الإمبراطورية الرومانية.

تفاصيل الاكتشاف:

الموقع: حي سيمرينغ، فيينا، بالقرب من موقع الحصن الروماني القديم فيندوبونا.​

عدد الرفات: حوالي 150 فردًا، جميعهم من الذكور البالغين.​

الآثار المكتشفة: أسلحة ودروع، بما في ذلك خنجر عسكري (بوجيو) ومسامير من الأحذية العسكرية الرومانية (كاليغي).​

تحليل الرفات:

أظهرت الفحوصات أن الأفراد المدفونين كانوا جميعًا من الذكور، بمتوسط طول حوالي 170 سم. أوضحت الإصابات على العظام، الناتجة عن أسلحة مثل الرماح والخناجر والسيوف، أنهم لقوا حتفهم في معارك عنيفة. يشير ذلك إلى أنهم ربما قتلوا أثناء مواجهات مع محاربين جرمانيين على الحدود الشمالية للإمبراطورية الرومانية، المعروفة باسم "ليميز الجرمانية". ​

الأهمية التاريخية:

يُعد هذا الاكتشاف أول دليل مادي على وقوع معارك في هذه المنطقة خلال الحقبة الرومانية، مما يدعم الروايات التاريخية عن المواجهات على الحدود الشمالية للإمبراطورية. بالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن هذا الاكتشاف قد يرتبط بجهود الرومان لتعزيز دفاعات حصن فيندوبونا. ​

التحليلات المستقبلية:

يواصل علماء الآثار تحليل الرفات والقطع الأثرية المكتشفة، بما في ذلك إجراء دراسات على الحمض النووي القديم وتحليلات النظائر، بهدف الحصول على فهم أعمق لأصول هؤلاء الجنود وظروف حياتهم. من المتوقع أن توفر هذه الدراسات رؤى جديدة حول التفاعلات الثقافية والعسكرية بين الرومان والقبائل الجرمانية في تلك الفترة. ​

اكتشافات ذات صلة:

اكتشافات
ذات صلة: تاريخ روماني عميق تحت شوارع فيينا

1. فيندوبونا: الحصن الروماني الذي أصبح فيينا

قبل أن تُعرف فيينا باسمها الحالي، كانت تعرف في العصور الرومانية باسم "Vindobona"، وهي مستوطنة وحصن روماني رئيسي على طول حدود الإمبراطورية الرومانية الشمالية، وتحديدًا على نهر الدانوب الذي شكّل حاجزًا طبيعيًا ضد هجمات القبائل الجرمانية.

هذا الحصن لم يكن مجرد موقع عسكري، بل كان مركزًا حضريًا متكاملاً يحتوي على:

حمامات عامة.

معابد.

مساكن للجنود والمدنيين.

شبكة طرق متصلة بشبكة الإمبراطورية.

ومنذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، تم العثور على عشرات المواقع الأثرية التي تعود إلى تلك الفترة، تحت الشوارع والساحات وحتى المنازل السكنية في فيينا.

2. مدرسة المصارعين في كارنونتوم – اكتشاف عالمي

إلى الشرق من فيينا، وفي بلدة Carnuntum التي تبعد حوالي 40 كم، تم اكتشاف واحدة من أهم مدارس تدريب المصارعين الرومانيين خارج إيطاليا، في موقع يُعرف اليوم بـ "Parc Archéologique de Carnuntum".

ما الذي تم اكتشافه هناك؟

مبنى كامل يحتوي على ساحات تدريب.

زنازين صغيرة للمصارعين.

غرف طبية.

أدوات تدريب، وسيوف غير حادة.

نظام صرف صحي متطور.

وقد تم استخدام تقنيات المسح بالرادار لاكتشاف هذه البنية المعمارية الفريدة، دون الحاجة لحفر تقليدي، مما مكّن العلماء من الحفاظ على الموقع الأصلي.

لماذا هذا مهم؟

لأن وجود مدرسة مصارعين بهذا الحجم يدل على أن المنطقة لم تكن حدودًا فقط، بل كانت مركزًا ثقافيًا وترفيهيًا أيضًا.

كما أن قربها من فيندوبونا يشير إلى التكامل العسكري–المدني في البنية التحتية الرومانية في النمسا الحالية.

3. الطريق الروماني: العمود الفقري للإمبراطورية

يمر عبر فيينا جزء من شبكة الطرق الرومانية القديمة، والتي كانت تعرف بـ Via Principalis وVia Decumana. وقد تم اكتشاف أجزاء مرصوفة من هذه الطرق

أثناء الحفريات في مناطق مثل:

حي المدينة القديمة (Innere Stadt).

منطقة Landstraße.

بعض محطات المترو الحديثة التي تقاطعت أعمالها مع مواقع أثرية.

لماذا الطرق مهمة؟

لأنها كانت بمثابة شرايين حيوية لربط معسكرات الجيش، والمدن، وأسواق التبادل التجاري. كما استخدمها الجنود، والمسافرون، والتجار، وحتى الجواسيس.

4. مقابر الرومان في حي فيرينغ – شهادة على الحياة والموت

تم اكتشاف أكثر من 400 قبر روماني في ضواحي فيينا الغربية، وتحديدًا في منطقة Vering. ومن ضمن هذه المدافن:

قبور محروقة: تقليد جنائزي شائع في بدايات العصر الروماني.

قبور بالتوابيت الحجرية.

لقى جنائزية مثل المصابيح الزيتية، والخواتم، والتمائم، وبعض العملات.

نقوش توضح الرتب العسكرية لبعض المدفونين.

أحد أبرز الاكتشافات:

لوحة جنائزية تعود إلى جندي من فيندوبونا تُظهر بوضوح رتبته واسمه ومدة خدمته، وهي الآن معروضة في متحف Kunsthistorisches Museum في فيينا.

5. المعابد والمذابح – الدين الروماني في الشمال

تم العثور على مذابح حجرية ونقوش دينية في معابد رومانية صغيرة مكرسة للإله ميثراس (Mithras)، وهو إله مرتبط كثيرًا بالجيوش الرومانية.

طقوس عبادة ميثراس:

تتم في كهوف مغلقة أو غرف تحت الأرض.

ترتكز على رمزية النور مقابل الظلام.

تحتوي على مشاهد منحوتة لميثراس وهو يقتل الثور – رمز الخصوبة والتجديد.

وجود مثل هذه المعابد في ضواحي فيينا يثبت أن الجنود الرومان لم يجلبوا فقط أسلحتهم، بل جلبوا أيضًا معتقداتهم الخاصة، وغرسوها في الأرض التي دافعوا عنها.

6. التحف والعملات: خزائن مدفونة في الأرض

على مدى العقود الماضية، تم العثور على عدد من الكنوز المعدنية والعملات الرومانية خلال أعمال البناء والتنقيب. أشهرها:

كنز Simmering: مجموعة من العملات الفضية والذهبية تعود إلى القرن الثالث الميلادي، ربما دفنت أثناء اجتياح القبائل

الجرمانية.

قطع خزفية تحمل أختام صناعها، تعود لمصانع في إيطاليا وجنوب بلاد الغال.

أهمية هذه التحف:

تُظهر حجم التجارة في ذلك الوقت، وارتباط فيينا بمراكز اقتصادية كبيرة.

تؤكد وجود شبكة اقتصادية نشطة في منطقة فيندوبونا، رغم طابعها العسكري.

7. العثور على مساكن مدنية وعائلات رومانية

بجانب المواقع العسكرية، تم العثور أيضًا على منازل مدنية تعود لعائلات رومانية من الطبقة الوسطى والعليا. احتوت هذه المساكن على:

أرضيات فسيفسائية.

جدران مزيّنة بالجداريات.

أدوات منزلية فاخرة مثل أواني البرونز والزجاج الروماني الملون.

وجود هذه المساكن يبيّن أن فيندوبونا لم تكن مجرد معسكر للجنود، بل كانت مدينة متكاملة تحتوي على عائلات، تجار، حرفيين، وسكان من مختلف طبقات المجتمع.

8. الاكتشافات تحت المرافق الحديثة: التحدي والأمل

في السنوات الأخيرة، تطوّر التعاون بين علماء الآثار وشركات البناء في فيينا، وأصبح هناك إلزام قانوني بالتنقيب الأثري قبل أي مشروع كبير في المدينة القديمة.

بعض الاكتشافات جاءت من:

محطات مترو مثل "Stephansplatz" و"Karlsplatz".

أعمال ترميم قاعات الأوبرا.

مشاريع إعادة تأهيل الصرف الصحي.

وتُعد فيينا الآن من المدن الأوروبية القليلة التي تتعامل مع ماضيها الأثري كجزء حي من حاضرها المدني.

كل هذه الاكتشافات تضع المقبرة الجماعية التي تم اكتشافها تحت ملعب كرة القدم في سيمرينغ ضمن شبكة أوسع من الآثار والدلائل التي توثق حياة وموت الإنسان الروماني في هذه البقعة من أوروبا.

المقبرة ليست مجرد دفن جماعي... بل شاهد على:

وجود صراعات عنيفة على حدود الإمبراطورية.

حياة يومية مركّبة امتدت من الدين إلى التجارة.

أثر ثقافة عسكرية عميقة تركت بصمتها في البنية الحضرية والمعمارية.

امتزاج السكان المحليين بالرومان في النمسا القديمة، وما خلقه ذلك من مزيج حضاري وثقافي غني.

خلاصة:

يُبرز هذا الاكتشاف

في فيينا الأهمية التاريخية للمدينة كموقع استراتيجي خلال الإمبراطورية الرومانية. توفر المقبرة الجماعية نظرة فريدة على الطقوس الجنائزية الرومانية، والتفاعلات العسكرية مع القبائل الجرمانية، والحياة اليومية للجنود الرومان.​

تم نسخ الرابط