كوري بوكر يلقي كلمة لمدة 25 ساعة و 4 دقائق
في حدث غير مسبوق في التاريخ السياسي الحديث للولايات المتحدة الأمريكية تصدر السيناتور الديمقراطي كوري بوكر عناوين الصحف ونشرات الأخبار بإلقائه خطابا استمر لأكثر من 25 ساعة و دقائق داخل قاعة مجلس الشيوخ الأمريكي محطما أرقاما قياسية سابقة لأطول خطب برلمانية على الإطلاق. لم يكن هذا الخطاب مجرد تمرين في البلاغة السياسية بل جاء كموقف صريح وحاد ضد أحد مشاريع القوانين المثيرة للجدل والذي وصفه بوكر بأنه غير عادل ومجحف بحق الفئات المهمشة والضعيفة في المجتمع الأمريكي.
يأتي هذا الخطاب الماراثوني في سياق استخدام أداة الفلبستر Filibuster التي يتيحها النظام التشريعي الأمريكي لأعضاء مجلس الشيوخ وهي وسيلة قانونية لعرقلة تمرير مشروع قانون من خلال إطالة مدة النقاش. وقد استغل بوكر هذه الأداة لوقف تمرير مشروع قانون متعلق بإصلاح النظام القضائي الجنائي يرى فيه كثيرون بمن فيهم بوكر تهديدا لحقوق الأفراد خاصة من أبناء الأقليات العرقية والمجتمعات المهمشة.
اللافت في خطاب بوكر لم يكن فقط مدته بل محتواه الذي اتسم بالعمق الإنساني والشجاعة الأخلاقية إذ انتقل بسلاسة بين التحليل السياسي والتاريخي والقصص الشخصية والشهادات
رغم الطول الاستثنائي للخطاب فإن محتواه لم يكن مكررا أو عشوائيا. بدأ بوكر حديثه بالتأكيد على أهمية العدالة والمساواة في النظام القضائي مشيرا إلى التباينات الصارخة في العقوبات المطبقة على أفراد من خلفيات اجتماعية وعرقية مختلفة. ثم انتقل إلى استعراض إحصائيات دقيقة عن نسب السجن بين الأمريكيين من أصول إفريقية ولاتينية مقارنة بنظرائهم من البيض مؤكدا أن العدالة اليوم ما زالت ملوثة بالتحيزات الممنهجة.
كما تحدث بوكر عن تجاربه الشخصية كنائب عن ولاية نيوجيرسي حيث روى حكايات مؤثرة من دوائر انتخابية تضم أحياء فقيرة تعاني من الظلم والتهميش. وأبرز قصصا لأمهات فقدن أبناءهن بسبب عنف الشرطة أو بسبب أحكام قاسية غير متناسبة مع الجرائم المرتكبة.
ولم تخل كلماته من استحضار الأبعاد التاريخية إذ اقتبس من خطابات مارتن لوثر كينغ جونيور ونيلسون مانديلا واستشهد بنصوص دينية وأدبية عميقة في محاولة لربط نضاله المعاصر بمسارات
الخطاب أثار ردود فعل واسعة سواء داخل الأوساط السياسية أو على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد عبر الكثير من أعضاء الحزب الديمقراطي عن إعجابهم بثبات بوكر واستعداده للوقوف وحده في مواجهة التيار مشيرين إلى أن هذا النوع من الالتزام الأخلاقي أصبح نادرا في السياسة المعاصرة.
في المقابل لم تغب الانتقادات حيث اعتبر بعض الجمهوريين ما قام به استعراضا غير مجد مشيرين إلى أن الخطابات الطويلة لا تغير الواقع وأن الوقت كان ينبغي أن يستثمر في مفاوضات بناءة بدلا من تأخير العملية التشريعية.
كوري بوكر المعروف بخطاباته المؤثرة وحضوره الإعلامي القوي استثمر هذه المنصة الطويلة ليعيد التأكيد على أن الكلمة ما زالت تملك القدرة على التغيير حتى في عالم السياسة القاسي. ففي عصر السرعة والتنازلات السياسية جاء خطابه كنوع من المقاومة الرمزية للسطحية والتسرع وتأكيدا على أن هناك ما يستحق الوقوف لأجله لساعات بل لأيام إن اقتضى الأمر.
الخطاب كشف أيضا عن قدرة بوكر على الجمع بين العمق الفكري والروح الجماهيرية وهو ما يميزه عن كثير من الساسة المعاصرين. كان الخطاب مدروسا بعناية وخاليا من العبارات الجوفاء
مع أن بوكر كان قد خاض تجربة الترشح للرئاسة في انتخابات 2020 دون أن يحقق تقدما كبيرا إلا أن هذا الخطاب ربما يعيد تسليط الضوء عليه كأحد الأسماء الصاعدة داخل الحزب الديمقراطي. فالرأي العام يحب السياسيين الذين يظهرون التزاما حقيقيا بمبادئهم وخاصة حين يكون هذا الالتزام ملموسا ومكلفا كما هو الحال في خطابه الأخير.
هل سيؤثر الخطاب على مجريات السياسة الأمريكية
من غير المرجح أن يؤدي الخطاب وحده إلى إسقاط مشروع القانون الذي كان بوكر يعارضه لكن من المؤكد أنه فتح بابا واسعا للنقاش العام حول العدالة الجنائية في الولايات المتحدة. كما ساهم في تعبئة الرأي العام ولفت انتباه وسائل الإعلام ما قد يؤدي إلى تغييرات تدريجية في المستقبل سواء في مشاريع القوانين أو في توجهات بعض أعضاء الكونغرس.
ربما يختلف كثيرون مع كوري بوكر في آرائه أو توجهاته السياسية لكن قلة سينكرون أن ما فعله داخل قاعة مجلس الشيوخ كان لحظة نادرة من الشجاعة السياسية. خطاب استمر لأكثر من 25 ساعة لم يكن هدفه إرباك النظام بل هز ضمير الأمة وتحفيز نقاش وطني حقيقي حول العدالة والمساواة.