استلهام تجربة فنلندا: كيف تطبق الإمارات مفهوم السعادة في التعليم؟

لمحة نيوز

في ظل سعي دولة الإمارات العربية المتحدة لتحقيق رؤيتها الطموحة 2071، تبرز خطوات نوعية في تطوير المنظومة التعليمية، من بينها استلهام التجربة الفنلندية الرائدة التي تتربع على عرش أفضل أنظمة التعليم في العالم.

 فقد أثبت "نظام التعليم الفنلندي" نجاحه من خلال فلسفة تضع "السعادة والرفاهية" في صلب العملية التعليمية، وهو ما بدأ ينعكس تدريجياً في "التعليم في الإمارات" عبر مبادرات نوعية تعيد صياغة مفهوم المدرسة ودور المعلم وأولويات التعلم. 

وفي هذا السياق، نستعرض أبرز ملامح التفاعل الإماراتي مع النموذج الفنلندي ضمن مسيرة بناء "المدارس السعيدة".

منهجية اللعب والتعلم: كيف تدمج الإمارات الفلسفة الفنلندية في مراحل التعليم المبكر؟

يعد التعليم في سنوات الطفولة المبكرة حجر الأساس لبناء شخصية الطالب، وهنا برز تأثير النموذج الفنلندي بوضوح في السياسات التعليمية الإماراتية. ففي فنلندا، لا يبدأ التعليم الرسمي القائم على التقييمات والاختبارات حتى سن السابعة، حيث يُركز بدلاً من ذلك على "التعلم من خلال اللعب"، كوسيلة لتنمية المهارات الحياتية الأساسية مثل إدارة المشاعر، والتعاون الجماعي، والتفكير النقدي.

في الإمارات، بدأت هذه الفلسفة تجد طريقها إلى الصفوف التأسيسية من خلال تحويل الروضات والمدارس المبكرة إلى بيئات مرنة تراعي النمو النفسي والاجتماعي للطفل. وتم تقليص الواجبات المنزلية بنسبة 40%، وتوفير فصول مخصصة للأنشطة الإبداعية واللعب الحر، بما يعزز شعور الطالب

بالانتماء والسعادة.

المعلم المحوري: استلهام النموذج الفنلندي في تمكين الكوادر التعليمية بالإمارات

تقوم التجربة الفنلندية على مبدأ استقلالية المعلم، حيث يُمنح الكادر التربوي حرية تصميم نصف المناهج بما يتوافق مع احتياجات الطلبة، كما أن جميع المعلمين حاصلون على درجات الماجستير كشرط أساسي لمزاولة المهنة.

وفي هذا الإطار، تعمل الإمارات على تمكين معلميها من خلال برامج تدريب متقدمة، شملت حتى الآن أكثر من 5,000 معلم ضمن مبادرة "المدارس السعيدة". كما تم إدراج وحدات تدريبية في تطوير المهارات النفسية والاجتماعية للطلبة، بالإضافة إلى تعزيز الابتكار في أساليب التدريس، مستفيدة من الشراكات التربوية التي تربطها بدول رائدة مثل فنلندا.

وقد أكدت معالي سارة بنت يوسف الأميري، وزيرة التربية والتعليم، خلال لقائها رئيس وزراء فنلندا بيتري أوربو، أهمية هذه الشراكات في تعزيز تنافسية النظام التعليمي الإماراتي ورفع جودة مخرجاته.

زوايا الاسترخاء المدرسية: بين التجربة الفنلندية والتطبيق الإماراتي المبتكر

من الملامح المميزة في "نظام التعليم الفنلندي" تهيئة البيئة المدرسية لتكون مصدرًا للراحة النفسية، حيث تركز المدارس الفنلندية على توفير أجواء تساعد الطلاب على الهدوء والانخراط الإيجابي في التعلم.

استلهمت الإمارات هذا التوجه عبر إنشاء "زوايا الاسترخاء" في 120 مدرسة، وهي مساحات مجهزة بتصاميم هادئة وأثاث مريح تسمح للطلبة بأخذ استراحات ذهنية وسط اليوم الدراسي. وتأتي هذه الخطوة

كجزء من مبادرة أوسع لتحويل المدرسة إلى بيئة تحفّز الإبداع وتقلل التوتر.

من الاختبارات إلى المهارات الحياتية: التحول الجذري في أولويات التعليم الإماراتي

في حين تعتمد أنظمة التعليم التقليدية على التقييمات والاختبارات كأساس للحكم على أداء الطالب، تبنت فنلندا توجهًا مغايرًا يضع التركيز على المهارات الحياتية والعملية، ويؤجل الاختبارات الوطنية حتى سن 13 عامًا.

ومن هذا المنطلق، بدأت الإمارات بإعادة هيكلة المناهج لتضم مواد جديدة مثل "الرفاهية النفسية"، وجعلت منها مقرراً إلزاميًا، كما خصصت 20% من اليوم الدراسي للأنشطة غير الأكاديمية التي تعزز من وعي الطالب بذاته وبالآخرين. ويهدف هذا التوجه إلى إعداد جيل متزن، يمتلك أدوات التكيف مع الحياة وليس فقط مع الامتحانات.

كيف تؤثر السعادة في التعليم على التحصيل الدراسي؟

الدراسات الحديثة تؤكد أن السعادة ليست فقط نتيجة للتعليم الجيد، بل أحد دوافعه الرئيسة. ففي فنلندا، يشعر 75% من الطلبة بالسعادة في المدرسة، مقابل متوسط عالمي لا يتجاوز 40%، بحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). كما أن 95% من الطلبة الفنلنديين يشعرون بالأمان في مدارسهم.

وتُظهر التجربة الإماراتية مؤشرات مشابهة، حيث بدأت مستويات الرضا الطلابي ترتفع في المدارس التي تطبق نهج "اليوم المدرسي الممتع"، مع انخفاض ملحوظ في نسب الغياب والإرهاق الدراسي. فالبيئة التعليمية المريحة تعزز الانخراط وتزيد من دافعية الطلاب، ما ينعكس إيجابًا على تحصيلهم

العلمي وسلوكهم العام.

التحديات الثقافية في تطبيق النماذج التعليمية الغربية

رغم النتائج الإيجابية، لا تخلو عملية استلهام "نظام التعليم الفنلندي" من تحديات، أبرزها الفروقات الثقافية بين المجتمعين الفنلندي والإماراتي. فبينما يتميز المجتمع الفنلندي بطابع اجتماعي متحرر وبيئة منفتحة على التجريب، ترتبط الثقافة الإماراتية بقيم وتقاليد راسخة تتطلب مواءمة دقيقة عند نقل النماذج الغربية.

من هنا، حرصت الجهات التعليمية الإماراتية على تكييف التجربة الفنلندية بما يتماشى مع القيم المحلية، من خلال إشراك الأسر والمعلمين في عملية التغيير، والحفاظ على الهوية الوطنية ضمن المناهج الجديدة.

لكن على الجانب الآخر، تملك الإمارات ميزة تنافسية في هذا المجال، تتمثل في دعم القيادة الرشيدة، التي وضعت هدفًا واضحًا يتمثل في تطبيق معايير "السعادة في التعليم" في 100% من المدارس بحلول عام 2030، إلى جانب امتلاك بنية تحتية تكنولوجية تفوق ما هو متاح في العديد من الدول المتقدمة.

تُعد التجربة الإماراتية في استلهام نموذج التعليم الفنلندي مثالًا حيًا على قدرة الدول على توطين أفضل الممارسات العالمية ضمن سياقها الخاص. فمفاهيم مثل "السعادة في التعليم" و"المهارات الحياتية في التعليم" لم تعد ترفًا، بل أصبحت ضرورات تربوية تفرضها تحديات العصر.

وبينما تسير الإمارات بخطى ثابتة نحو نظام تعليمي متكامل يُعلي من قيمة الإنسان، تتجه الأنظار إلى المخرجات المستقبلية لهذا التحول النوعي، الذي قد يُشكّل

علامة فارقة في مسيرة التعليم العربي والعالمي

تم نسخ الرابط