أردني يعفو عن فتاة تسببت في وفاة ابنه بحادث سير
في مشهد إنساني نادر: أردني يعفو عن فتاة تسببت في وفاة ابنه بحادث سير
في لحظة اختلطت فيها الدموع بالمواقف النبيلة، سجّل الأردني "محمد الحوراني" من محافظة الزرقاء موقفاً إنسانياً أبكى الحضور، عندما أعلن عفوه الكامل عن فتاة تسببت في وفاة ابنه الوحيد، إثر حادث سير مروّع وقع قبل أشهر قليلة.
ورغم أن الفاجعة كسرت ظهره، كما قال، إلا أن الحوراني قرّر أن يجعل من الألم منطلقاً للعفو، مستنداً إلى إيمانه العميق بالقضاء والقدر، ومقتدياً بقول الله تعالى: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله".
تفاصيل الحادث المأساوي
تعود الحكاية إلى مساء يوم خريفي من تشرين الثاني الماضي، حين كان الشاب "رامي محمد الحوراني" (23 عاماً) يقود دراجته النارية على أحد شوارع الزرقاء الرئيسية، عندما اصطدمت به مركبة تقودها فتاة في العشرين من عمرها، فقدت السيطرة عليها عند إحدى المنعطفات.
الحادث، بحسب تقرير شرطة المرور، نتج عن تسرّع السائقة وعدم اتخاذها الاحتياطات اللازمة، مما أدى إلى اصطدامها العنيف
صدمة الأم وموقف الأب
وفاة رامي شكلت صدمة كبرى لعائلته، خاصة أنه الابن الوحيد لمحمد الحوراني وزوجته، وقد كان طالباً مجتهداً على مشارف التخرّج من كلية الهندسة. تقول والدته في حديث خاص: "كنا نحلم بيوم تخرّجه، بزفافه، بمستقبله… لكن الحادث أطفأ كل شيء فجأة".
ورغم الحزن العميق الذي خيّم على العائلة، إلا أن موقف الأب جاء مخالفاً لكل التوقعات. فبدلاً من المضي في إجراءات التقاضي والتشدد في المطالبة بالحق المدني والجزائي، أعلن الحوراني عفوه التام عن السائقة الشابة، دون قيد أو شرط.
لحظة العفو التي هزّت القلوب
المشهد الذي وقع في قاعة المحكمة الشرعية بالزرقاء، كان أقرب إلى الأفلام السينمائية. فبينما كانت الفتاة المتسببة بالحادث تقف باكية تنتظر النطق بالحكم، فاجأ محمد الحوراني الجميع بقوله أمام القاضي والحضور: "أشهد الله وأشهدكم أنني قد
انفجرت القاعة بالبكاء، وغلبت الدموع حتى على القاضي نفسه، الذي أثنى على الموقف قائلاً: "ما رأيناه اليوم هو قمة التسامح والرحمة، ومثالٌ نادر على قوة الإيمان والصبر".
من الألم يولد الأمل
في تصريح خاص لـ"الصحافة الأردنية"، قال محمد الحوراني: "أنا لا أطلب شيئاً من الدنيا، فقدت ابني ولن يعيده شيء. لكنني لا أريد أن أحمّل فتاة صغيرة عبء ذنب قد تحمله طوال حياتها. العفو لا يرد الغالي، لكنه يداوي القلب".
وأشار إلى أنه اتخذ قراره بعد أن علم أن الفتاة لم تكن في حالة سُكر أو تهوّر متعمّد، بل كانت في حالة خوف وارتباك، وأنها منذ الحادث لم تنم ليلة واحدة دون بكاء وندم.
وبحسب مصادر قريبة من العائلة، فإن الحوراني رفض كل محاولات "الجاهات العشائرية" التي عرضت تقديم عطوة أو جاهة صلح، قائلاً: "لا أريد دية، ولا أريد مالاً، هذا قراري أنا، من قلبي إلى ربي".
تفاعل شعبي واسع
انتشر خبر العفو بسرعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحوّل
كما علّق الإعلامي محمد الوكيل على الحادثة قائلاً: "محمد الحوراني ليس فقط أباً مفجوعاً، بل هو أبٌ لكل الأردنيين اليوم. لقد علّمنا درساً في التسامح لم ولن يُنسى".
ردّة فعل الفتاة
أما الفتاة، والتي نتحفّظ على ذكر اسمها لأسباب قانونية، فقد أغمي عليها لحظة سماعها قرار العفو. وعقب إفاقة قصيرة، تقدّمت إلى محمد الحوراني وقبّلت يده باكية، وقالت: "لن أنسى ما حييت أنك سامحتني. سأدعو لابنك كل يوم، وسأكرّس حياتي لفعل الخير باسمه".
درس في الإنسانية
قصة محمد الحوراني ليست مجرّد حادثة سير وانتهت، بل هي شهادة على أن الخير لا يزال حيّاً في قلوب الناس، وأن التسامح قادر على مداواة الجراح، مهما كانت عميقة.
في زمن تعلو فيه الأصوات بالمطالبات والتصعيد، يعلو صوت رجلٍ واحد اختار أن يعفو، فكان عفوه حياةً أخرى، ليس فقط