ظاهرة "المطر الجليدي الملون" في روسيا علماء يفسرونها بوجود طحالب نادرة في الغلاف الجوي

لمحة نيوز

في واحدة من الظواهر الطبيعية النادرة التي أدهشت العالم، شهدت جبال ألتاي في روسيا مشهداً استثنائياً: جليد بلون أحمر قانٍ يمتد على مساحات واسعة من الأنهار الجليدية! قد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه مشهد من فيلم خيال علمي، أو حتى ظاهرة كونية غريبة، ولكن العلم يملك تفسيراً واضحاً ودقيقاً لما حدث.

كيف بدأ الأمر؟

في صيف عام 2023، لاحظ فريق من العلماء الروس أثناء رحلاتهم البحثية إلى جبال ألتاي — وهي واحدة من أكثر المناطق برودة ونقاء في روسيا — أن الجليد في بعض الأنهار هناك قد تحوّل إلى لون أحمر واضح، يشبه لون الدم في بعض المناطق، وأحياناً يميل إلى الوردي الفاتح.

هذه الملاحظة كانت كفيلة بإثارة تساؤلات العلماء والسكان المحليين على حد سواء: كيف يمكن للجليد الأبيض النقي أن يتحوّل إلى لون غريب كهذا؟

التفسير العلمي: الطحالب المجهرية "Chlamydomonas nivalis"

بعد تحليل العينات التي جُمعت من المنطقة، توصل الباحثون إلى أن المتسبب في هذا اللون هو نوع خاص من الطحالب الدقيقة يُعرف باسم Chlamydomonas

nivalis.

هذه الطحالب تعتبر واحدة من الكائنات الحية القليلة التي تستطيع العيش في بيئة شديدة البرودة مثل الجليد. تتمتع هذه الطحالب بخاصية مذهلة: عندما تتكاثر بأعداد كبيرة، تُنتج صبغة تُسمى "أستاكسانثين" (Astaxanthin)، وهي مادة حمراء اللون تساعد على حماية خلايا الطحلب من الأشعة فوق البنفسجية الضارة وأشعة الشمس المباشرة.

لهذا السبب، عندما تنتشر هذه الطحالب بكثافة في الجليد، يظهر الجليد وكأنه مغطى بطبقة من اللون الأحمر أو الوردي، وهو ما أطلق عليه الناس مجازاً "المطر الجليدي الملون".

لماذا تتكاثر هذه الطحالب فجأة؟

بحسب تحليلات العلماء، هناك عدة أسباب محتملة:

ارتفاع درجات الحرارة الموسمية:
مع التغير المناخي العالمي، حتى مناطق مثل ألتاي التي كانت تعرف بثبات برودتها، شهدت في السنوات الأخيرة ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة خلال فصل الصيف. هذا التغير في الحرارة يوفر بيئة مناسبة لازدهار الطحالب.

وفرة المياه الذائبة والضوء:
الطحالب تحتاج إلى بعض الماء السائل وضوء الشمس لتزدهر. مع ذوبان

طبقات رقيقة من الجليد بفعل حرارة الشمس، يتوفر لهذه الطحالب بيئة خصبة للانتشار.

التغيرات المناخية طويلة الأمد:
بعض العلماء يرون أن هذه الظاهرة ليست مجرد حالة موسمية عابرة، بل علامة على تغيّرات كبيرة في النظام البيئي الجبلي، نتيجة لارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتأثير المستمر للاحتباس الحراري.

التأثير البيئي: دائرة مغلقة من الخطر

الجزء الأهم في هذه الظاهرة هو تأثيرها على البيئة، حيث أن الطحالب ليست مجرد ظاهرة جمالية؛ بل تؤدي إلى:

انخفاض انعكاسية الجليد (Albedo Effect):
الجليد الطبيعي يعكس معظم أشعة الشمس، وهو ما يساعد في الحفاظ على برودته وثبات حالته. لكن الطحالب الملونة تقلل هذه القدرة بسبب لونها الداكن نسبيًا، مما يؤدي إلى امتصاص أكبر للحرارة.

ذوبان أسرع للجليد:
عندما تضعف قدرة الجليد على عكس أشعة الشمس، تزداد سرعة ذوبانه، مما يهدد استقرار الأنهار الجليدية ويؤثر على دورة المياه والتوازن البيئي في المنطقة.

ردود فعل العلماء والسكان

المشهد جذب انتباه الكثيرين؛ البعض

اندهش من جمال الألوان الغريبة التي بدت وكأنها لوحة فنية طبيعية، بينما أعرب العلماء عن قلقهم من التغيرات التي قد تُحدثها هذه الطحالب على النظم البيئية، خصوصاً مع احتمالية أن يكون هذا جزءاً من ظاهرة أوسع مرتبطة بتغير المناخ.

ما الذي يمكن فعله؟

في الوقت الحالي، لا توجد طريقة عملية لمنع تكاثر هذه الطحالب، خاصة أنها جزء طبيعي من النظام البيئي الجليدي، ولكن:

يعمل العلماء على مراقبة انتشارها بدقة، لتحديد علاقتها بدرجات الحرارة ومستويات انبعاث الكربون.

هناك دعوات لإجراء دراسات بيئية موسعة لمعرفة تأثير هذه الظاهرة على المدى الطويل، خاصة على ذوبان الجليد ومستوى المياه في الأنهار.

الخلاصة: الطبيعة تتحدث بلغة الألوان

ظاهرة "المطر الجليدي الملون" تقدم درساً علمياً مهماً: حتى في الأماكن النائية والقاسية مثل جبال ألتاي، تظل الطبيعة حساسة لأي تغيّرات بيئية، وتترجم هذه التغيّرات أحياناً بطرق جمالية مذهلة تحمل خلفها رسالة تحذيرية قوية.

هذا التغير في لون الجليد ليس مجرد مشهد غريب فحسب، بل إشارة

علمية إلى تغيّر كبير في المناخ، يستحق المزيد من الاهتمام والدراسة.

تم نسخ الرابط