منارة الإسكندرية دليل للملاحة في البحر
منارة الإسكندرية... معجزة هندسية تحولت إلى أسطورة ملاحية خالدة
الإسكندرية – لعصور طويلة، لم تكن منارة الإسكندرية مجرد بناء شامخ على سواحل البحر المتوسط، بل كانت دليلاً حيّاً على براعة الإنسان القديم، وأداةً لا غنى عنها للملاحة البحرية. فعلى مدى قرون، أرشدت هذه المنارة السفن إلى بر الأمان، وأسهمت في ازدهار الحركة التجارية في البحر الأبيض المتوسط، لتصبح لاحقاً إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.
اليوم، ورغم اندثارها منذ قرون، لا تزال منارة الإسكندرية حاضرة في وجدان التاريخ الإنساني كرمزٍ للتقدم المعماري والتقني في العصور القديمة. فكيف شيّدت؟ ولماذا اعتُبرت منارةً فريدة في زمنها؟ وكيف تحولت من صرح مهيب إلى أثر تاريخي يبحث عنه العلماء والغواصون في أعماق البحر؟
نشأة المنارة: مشروع بطليموسي بطابع يوناني
بدأت قصة المنارة في عهد البطالمة، حين قرر الملك بطليموس الأول، أحد قادة الإسكندر الأكبر، أن تبقى مدينته "الإسكندرية" مركزاً تجارياً مزدهراً ومقصداً للسفن القادمة من شتى أرجاء العالم القديم.
تولى المعماري اليوناني "سوستراتوس" تصميم وبناء المنارة، وأكمل المشروع في عهد بطليموس الثاني، حوالي عام 280 قبل الميلاد. كانت المنارة آنذاك أعجوبة هندسية حقيقية، إذ بلغ ارتفاعها أكثر من 100 متر، ما جعلها من أطول الأبنية في العالم آنذاك، بعد الأهرامات.
تصميم عبقري بثلاثة مستويات
جاءت منارة الإسكندرية بتصميم فريد ومبهر، مؤلف من ثلاثة أقسام رئيسية: قاعدة مربعة الشكل، يعلوها بناء أسطواني، ثم طبقة علوية ذات شكل دائري تُتوج بمنصة تحمل لهباً كبيراً. هذا اللهب، الذي كان يُغذى بالخشب والزيت ليلاً، كان ينعكس عبر مرايا معدنية مصقولة ليضيء مسافة تمتد لعشرات الكيلومترات في عرض البحر.
أما في النهار، فقد كانت المنارة تستخدم نظاماً من الدخان الكثيف كإشارة بصرية ترشد السفن. كما تروي بعض المصادر التاريخية أن ضوء المنارة كان شديد القوة لدرجة أنه كان يُرى على بعد أكثر من 50 كيلومتراً، وهو
أهمية استراتيجية واقتصادية
لم تقتصر أهمية منارة الإسكندرية على دورها في إرشاد السفن فحسب، بل تعدت ذلك لتصبح رمزاً للمدينة وركيزة أساسية في ازدهارها التجاري. إذ شكّلت أداة فاعلة لضمان سلامة الملاحة البحرية، ما جذب السفن القادمة من أوروبا وآسيا وأفريقيا إلى ميناء الإسكندرية، وبالتالي ساعد في ترسيخ مكانة المدينة كمركز عالمي للتجارة والعلم والثقافة.
ولأن البحر المتوسط كثير الضباب والعواصف، كانت المنارة تشكّل فارقاً حقيقياً في حماية السفن من الغرق أو التحطم، خصوصاً أثناء دخولها الميناء ليلاً.
الزلازل.. بداية النهاية
استمرت منارة الإسكندرية في أداء وظيفتها لحوالي 17 قرناً، لكنها تعرضت لعدة زلازل مدمّرة بين القرنين العاشر والرابع عشر الميلاديين. وكان أقساها زلزال عام 1303، الذي وقع في عهد السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، وأدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من المنارة.
وفي عام 1480، أمر السلطان قايتباي ببناء قلعة عسكرية مكان أطلال المنارة، وهي "قلعة قايتباي" التي لا تزال قائمة حتى
بحث أثري تحت الماء
لم يتوقف شغف المؤرخين وعلماء الآثار عند حدود الروايات التاريخية، إذ بدأت في التسعينيات عمليات غوص واستكشاف تحت مياه الإسكندرية، وتحديداً في محيط قلعة قايتباي. وقد تم بالفعل العثور على عشرات الكتل الحجرية والأعمدة العملاقة المنهارة، التي يُعتقد أنها أجزاء من المنارة القديمة.
وتسعى مصر حالياً، بالتعاون مع مؤسسات دولية، إلى تطوير مشروع "متحف الإسكندرية تحت الماء"، الذي يهدف إلى عرض هذه الكنوز الغارقة وتمكين الزوار من مشاهدتها عبر تقنيات حديثة، ما يعيد إحياء قصة المنارة من جديد.
رمزية خالدة في الذاكرة الجماعية
تحولت منارة الإسكندرية إلى رمز عالمي للضوء والهداية، وصارت الكلمة اللاتينية "Pharos" – نسبةً إلى جزيرة فاروس – مرادفاً لكلمة "منارة" في عدة لغات أوروبية. واليوم، لا تزال صورها الافتراضية تزين الكتب والوثائق، في محاولة لإحياء مجدها المندثر.
ورغم أن المنارة لم تعد قائمة، إلا أن رسالتها لا تزال حية: النور