الجزائر ترشح فيلم 196 متر للمنافسة على الأوسكار
196 متر جزائري... و تمددوا يا هوليوود!
في زمن صار فيه المتر مربع يتباع بالذهب قررت الجزائر ترشح فيلم طوله نظريا 196 متر لكن عمقه السينمائي لا يقاس لا بالأمتار و لا بالكيلو مترات. فيلم اسمه بسيط 196 متر لكن محتواه عبارة عن مشوار نفسي اجتماعي نفسي و تاريخي ماشي بسيارة فخمة بل ماشي حافي في دروب الجزائر المبللة بذاكرة العقد الأسود.
المخرج شكيب طالب بن دياب. الاسم قد يبدو جديدا على أذن المشاهد الكسول لكنه مثل تلك الأسماء اللي تشوفها في بداية الشريط تقول من هذا و في آخر الفيلم تقول أين كان مختبئا هذا العبقري!.
نحكيلكم من الأول و بالدارجة الخفيفة ثم نغوص في المعنى العميق لأن الفيلم هذا يستاهل نمد له بساط الكلام.
الجزائر و الأوسكار إيه يا خو
لما تسمع الجزائر والأوسكار في جملة وحدة يجي في بالك تلقائيا نوع من الحلم الجميل اللي يمكن يكون طموح زايد شوي. لكن لا هذي المرة ماشي حلم. ترشيح رسمي ورقة مختومة و النية راكبة الطيارة على لوس أنجلوس. 196 متر دخل السباق. مش للتنزه بل للركض بكل ما فيه من وجع فني وقوة سردية.
قصة مش قصة... حكاية
القصة ما تبانش غريبة في ظاهرها طفلة صغيرة تختفي في ظروف غامضة و البوليس يتدخل طبيبة نفسية تدخل على الخط و تبدا التحقيقات. لكن ماشي هذا المهم. المهم هو كيفاش الجزائر تحكى في القصة.
هنا العقد الأسود ما كانش مجرد خلفية بل كائن حي يتنفس في كل مشهد. الرعب التوجس و القلق اللي عاشوه الجزائريون في التسعينات تمثل بطريقة فنية تخليك تتجمد تتوتر و تخاف حتى و انت قاعد في صالونك.
شكيب... موهبة انفجرت بهدوء
شكيب طالب بن دياب موهبة ما طارت فجأة بل ترعرعت على مهل. خدم في الوثائقي جرب القصير و هاهو الآن يقفز بثقة إلى الفيلم الطويل. لكن ما دارش فيلم عادي باش يجرب حظه لا لا. دار عمل متكامل قصة إيقاع رمزية و حتى الموسيقى.
كان ممكن يسلكها بفيلم خفيف ظريف كوميديا و لا رومانسية رائجة. لكنه قرر يخاطر وي نكش في الذاكرة الجمعية للمجتمع و هذا الشيء وحده يخلينا نصفق له بحرارة.
196 متر طول الرعب أم مسافة للشفاء
وش معنى 196 متر هذا هو السؤال اللي كل مشاهد يطرحو. هل هي المسافة بين الطفلة و مصيرها بين الماضي والمصالحة بين الحي الفقير و مركز الشرطة
المخرج رفض يجاوب وتركها مفتوحة. لكن هذا أجمل شيء. الفن الحقيقي ما يمدلكش الجواب في صحن بل يخليك تحوس عليه بروحك.
الصورة... تحكي بلا صوت
الجزائر العاصمة تظهر في الفيلم كأنها شخصية بحد ذاتها. الأزقة الجدران الألوان الباهتة كلها تتكلم. لا CGI ولا مباني مصطنعة. العاصمة تظهر على طبيعتها بكل شروخها وأزقتها و عطرها و رطوبتها.
والموسيقى لا تسأل. هدوء مقصود مع نغمات خفيفة تلسع الأعصاب و تخلي المخ يلف في رأسك. السينماتوغرافي عميق يضرب في العظم من دون مبالغة.
الممثلون لا نجوم ولكن شعل
ما فيهمش نجوم سوبر لكن فيهم طاقة صادقة. أداء الممثلين يخليك تصدق كل شيء من دمعة الطفل إلى قلق الأم إلى تردد المحقق. ما تحسش بأنك تشوف فيلم بل وكأنك تتجسس على حيوات ناس حقيقيين.
نقطة التحول مهرجان رود آيلاند
قبل ما يتوجه نحو الأوسكار الفيلم راح يتفسح شوية في أمريكا. شارك في مهرجان رود آيلاند السينمائي وفاز بالجائزة الكبرى! ماشي جائزة ترضية بل جائزة تمهد فعليا للعبور نحو الأوسكار. وكي تعرف أن هذا المهرجان معتمد من
هل نقدر نربحو
سؤال المليون دولار. الجواب علاش لا. صحيح الترشيح وحده لا يكفي راهي المنافسة شرسة والإعلام العالمي ما يرحمش. لكن عندك فيلم فيه كل المواصفات قصة قوية إخراج واعي رمزية محلية وعالمية وحتى دعم من مؤسسات توزيع دولية.
يعني الكرة في مرمى لجنة الأوسكار. وإذا ما ربحناش على الأقل ربحنا نفسنا ربحنا فيلم نعتزو به.
وإذا ربحنا...
تخيل معايا شكيب واقف على مسرح دولبي ماسك تمثال الأوسكار يقول شكرا للجزائر اللي علمتني نحكي الحكاية ولو كانت موجعة. تصفيق دموع وكاميرا تروح للجالية الجزائرية في القاعة ترفرف بالأعلام.
حلم ممكن. لكن مش مستحيل.
الخاتمة 196 متر و خطوة نحو الاعتراف
196 متر مش مجرد فيلم بل خطوة جريئة في مشوار طويل اسمه خلونا نسمع صوتنا. الجزائر السينمائية محتاجة لأعمال زي هذي تشق الطريق وسط زحمة الصناعة العالمية و تقول إحنا هنا ما نسيناش حكايتنا و ناويين نحكيها للعالم.
وإذا سألوك وش دار الفيلم جاوبهم ببساطة دار اللي ما داروهش غيره. لمس الذاكرة فجر الأسئلة وخلى الجزائر