طور علماء كوريون أول مستشعر أمونيا مرن وعالي الحساسية

لمحة نيوز

في خطوة علمية متقدمة، نجح باحثون في كوريا الجنوبية في تطوير نموذج أولي لمستشعر الأمونيا الأكثر تطوراً من نوعه، حيث يجمع بين خصائص المرونة الفائقة والحساسية غير المسبوقة في كشف هذا الغاز الخطير. يمثل هذا الابتكار طفرة حقيقية في مجال أجهزة الاستشعار الغازية، حيث يتفوق على جميع النماذج السابقة من حيث القدرة على العمل في ظروف الحركة والانثناء المتكرر دون فقدان الدقة في القياسات.  

يعتمد التصميم الجديد على هندسة دقيقة للمواد النانوية المركبة، حيث تم دمج أنواع خاصة من البوليمرات الذكية مع جسيمات معدنية متناهية الصغر في تركيبة ثلاثية الأبعاد فريدة. هذه التركيبة المعقدة تمنح المستشعر خصائص كهربية حساسة لأدنى تغيرات في تركيز الأمونيا، بينما تحافظ على ثباتها الهيكلي حتى عند تعرضها لعمليات شد وثني متكررة تصل إلى آلاف المرات.  

من الناحية التقنية العميقة، يعمل الجهاز وفق مبدأ تغير الموصلية الأيونية في الطبقة النشطة عند امتصاص جزيئات الأمونيا، حيث تسبب هذه الجزيئات اضطراباً في توزيع الشحنات الكهربية ضمن البنية النانوية المصممة بدقة.

اللافت أن زمن الاستجابة لا يتجاوز 1.5 ثانية حتى للتراكيز المنخفضة جداً التي تقاس بأجزاء من البليون، مع قدرة تمييز تصل إلى 0.1 جزء في المليون، وهي مواصفات غير مسبوقة في هذا المجال.  

تظهر أهمية هذا الابتكار جلية في المجال الطبي التشخيصي، حيث يمكن دمج المستشعر في أقنعة تنفس ذكية تكشف عن الأمراض الاستقلابية من خلال تحليل هواء الزفير. كما يفتح آفاقاً جديدة في مراقبة جودة الهواء في المنشآت الصناعية، حيث يعتبر التلوث بالأمونيا أحد أخطر المشكلات البيئية. في مجال الزراعة الحديثة، يمكن استخدامه لمراقبة تراكم الأمونيا في حظائر الدواجن والماشية، مما يساعد في الوقاية من الأمراض التنفسية لدى الحيوانات.  

تميز هذا العمل البحثي بالتركيز على حل مشكلات أساسية عانت منها الأجيال السابقة من المستشعرات، مثل ظاهرة الانزياح التدريجي في معايرة الجهاز، والتي تم التغلب عليها من خلال تقنية معالجة سطحية مبتكرة. كما أن عملية التصنيع صممت لتكون متوافقة مع تقنيات الطباعة الإلكترونية الدقيقة، مما يسمح بإنتاج كميات كبيرة بتكلفة معقولة.  

من وجهة

نظر المواد المستخدمة، اعتمد الفريق البحثي على بوليميرات عضوية معالجة حرارياً بطريقة خاصة لتحقيق أعلى درجة من المسامية النانوية، مع طلاء كهروكيميائي متعدد الطبقات لتعزيز انتقائية التفاعل مع جزيئات الأمونيا فقط. هذه المواصفات الفريدة تجعل الجهاز غير حساس للرطوبة أو الغازات الأخرى، وهي مشكلة رئيسية في معظم المستشعرات التقليدية.  

في الاختبارات المعملية، أظهر المستشعر أداءً استثنائياً في ظروف مختلفة، حيث حافظ على ثبات القياسات عند تعرضه لدرجات حرارة تتراوح بين 15 إلى 45 مئوية، وفي مستويات رطوبة نسبية تصل إلى 85%. كما أثبت قدرة على العمل متواصلة لأكثر من 45 يوماً دون حاجة لإعادة المعايرة، مما يجعله مناسباً للتطبيقات طويلة الأمد.  

في سياق التطبيقات المستقبلية، يعمل الفريق البحثي حالياً على تطوير نسخة لاسلكية من المستشعر يمكن دمجها في أنظمة إنترنت الأشياء الصناعية. كما يجري استكشاف إمكانية تعديل التقنية الأساسية لاكتشاف غازات أخرى خطيرة مثل كبريتيد الهيدروجين وأكاسيد النيتروجين، مما قد يفتح الباب أمام جيل جديد كامل من أجهزة

الاستشعار الذكية.  

هذا الإنجاز العلمي لم يقتصر على الجانب التطبيقي فقط، بل قدم إسهامات نظرية مهمة في فهم آليات التفاعل بين الغازات والمواد النانوية تحت ظروف الإجهاد الميكانيكي. النتائج المنشورة توفر قاعدة بيانات قيمة لمجتمع الباحثين العاملين في مجال الإلكترونيات المرنة والمواد الذكية.  

من منظور صناعي، بدأت عدة شركات كورية كبرى في مفاوضات لترخيص التكنولوجيا، مع خطط لإنتاج تجاري أولي خلال العامين المقبلين. التقديرات تشير إلى أن هذه الأجهزة قد تشكل سوقاً بقيمة تتجاوز 500 مليون دولار بحلول عام 2030، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بمراقبة التلوث البيئي.  

في الختام، يمثل هذا المستشعر المرن نقلة نوعية في فلسفة تصميم أجهزة الاستشعار الغازية، حيث نجح في التوفيق بين متطلبات متناقضة ظلت تشكل تحدياً لسنوات، وهي الحساسية الفائقة، والانتقائية العالية، والمتانة الميكانيكية، والتكلفة المنخفضة. هذا التكامل الفريد بين الخصائص يضع معايير جديدة للجيل القادم من تقنيات الاستشعار، مع تأثيرات محتملة على مختلف جوانب الحياة الصناعية

والطبية والبيئية.

تم نسخ الرابط