لحظة محرجة: نائب الرئيس الأمريكي فانس يسقط كأس أوهايو.. وترامب يتألم
حين تسقط الكأس فلسفة اللحظات المحرجة في زمن البث المباشر
في زمن الكاميرا الحاضرة دائما واللقطة التي تنتشر قبل أن يلتقط صاحبها أنفاسه أصبحت اللحظات العفوية أو المحرجة لا تمر مرور الكرام بل تتحول إلى مادة خام للتحليل والضحك والتأويل وأحيانا... للفلسفة. نعم حتى عندما يسقط نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كأس بطولة فريق أوهايو هناك ما يقال.
فلنبدأ بالمشهد حفلة احتفالية وجوه مبتسمة نصر رياضي تخلده الكاميرات وإذا بجزء من الكأس ينفصل عن قاعدته ويسقط. الكل يتوقف لثانية. ترتفع الحواجب. تلتفت العدسات. تنقلب لحظة النصر إلى لحظة ارتباك. ثم كما يحدث في المسرحيات الهزلية يعود النظام تدريجيا يضحك الناس يتم تجميع الكأس مجددا وكأن شيئا لم يكن لكن الإنترنت لا ينسى.
وهنا نسأل لماذا نحب هذه اللحظات لماذا يسعد البعض بسقطة كأس لماذا تتحول هفوة صغيرة إلى ظاهرة على تويتر وتيك توك وفيسبوك وما الذي يجعل اللحظة المحرجة أكثر جاذبية من اللحظة المثالية
لعل الجواب يكمن في حاجة الإنسان العميقة لرؤية الخطأ وسط عالم يتظاهر بالكمال. نحن محاطون بصور معدلة كلمات مدروسة مشاهد مصقولة وخطابات مكتوبة بعناية إلى درجة أن أي
عندما يسقط الكأس يسقط معه القناع. يتجلى التوتر وتنكشف الارتجالية ويظهر الإنسان العادي خلف المنصب الرسمي. نحن لا نضحك لأن شخصا ما فشل بل لأن الفشل ولو لثانية أعاد لنا الشعور بأن الكل يخطئ حتى أصحاب المناصب الرفيعة.
ومن هنا تنبع الغرابة. فالذي كان يفترض أن يكون حدثا رياضيا مهيبا يتحول إلى مسرح عبثي صغير. كأس ثقيل ومصمم بأناقة ينفصل عن نفسه. نائب رئيس يمسك به بثقة ثم يفاجأ بأن القوة وحدها لا تكفي.
لكن ما المغزى الأعمق من هذه القصة
لنفكر قليلا في الكأس. في الثقافات القديمة الكأس كان رمزا للحكمة أو للقوة أو للغنيمة. كأس الحروب كأس الملوك في الولائم الكبرى. وكان دائما يحمل هالة من القدسية. أما اليوم فقد أصبح الكأس مجرد كائن قابل للسقوط. يشبه ذلك الطموح الهش أو المجد الذي قد ينكسر بفعل يد حماسية لا تنتبه للتفاصيل.
الكأس هنا لم يسقط فقط كمعدن بل كمفهوم. نحن نعيش في زمن يخلد الانتصارات لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع الهفوات. نطالب المسؤولين والمشاهير بأن يكونوا مثاليين أن لا يرتبكوا أن لا يخطئوا في الأسماء ولا يوقعوا الكؤوس. لكن حين
هل هذا عدل ربما لا. لكنه أيضا فرصة.
اللحظة المحرجة حين لا تكون كارثية هي درس نادر في التواضع. إنها تخبرنا أن الحركات المتكررة حتى في أرفع المناصب ليست محصنة من الهفوة. وأن الإنسان مهما علا يبقى مخلوقا يسقط أشياء.
وفي عالم أصبح فيه كل شيء قابلا للتصوير والبث لم تعد اللحظة المحرجة خيارا. إنها احتمال قائم في كل خطوة كل ميكروفون مفتوح كل كأس يرفع كل ضحكة تطلق في وقت غير مناسب. والمفارقة الجمهور لا يحب اللحظات المتقنة بقدر ما يحب اللحظات المربكة.
ربما السبب أن اللقطة المحرجة لا تحتاج إلى ترجمة. لا يهم من تشجع أو أين تسكن أو إن كنت تفهم اللغة أو لا. عندما ترى نائب رئيس يمسك بالكأس بحماسة ثم يسقط نصفها ثم يتجمع الجميع لتركيبها كقطعة ليغو ستفهم القصة فورا. وستضحك لأنك أنت أيضا في مكان ما وفي وقت ما أسقطت شيئا. وربما كان أمام الناس.
لكن هذا النوع من السقوط يملك سحرا خاصا. إنه سقوط خفيف لا يكسر العظم بل يكسر الجمود. لا يؤذي أحدا لكنه يطلق تلك الشرارة التي تجعل من الحدث العادي قصة تروى. بل إن بعض اللحظات المحرجة تعمدها البعض في الحملات التسويقية.
من جهة أخرى علينا الاعتراف بأن المبالغة في تضخيم هذه اللحظات يحمل خطرا. ففي كل ضحكة هناك احتمال لأن تتحول السخرية إلى تنمر. وكل تعليق ظريف قد يتحول إلى موجة من التجريح. الخط الرفيع بين المزاح والإهانة غالبا ما يدهس تحت عجلات الترند.
ولذلك فإن أفضل طريقة للتعامل مع هذه اللحظات هي كما فعل فانس نفسه اعتراف بسيط مزحة ذكية ثم المضي قدما. لم أرد لفريق آخر أن يحصل على الكأس فكسرتها قال مازحا مستبقا عاصفة التعليقات ومدجنا الميمات بنكتة من الداخل. ذكي ربما. متوقع قليلا. إنساني بالتأكيد.
وهنا مربط الفرس.
اللحظات المحرجة لا تفضح ضعفنا بل تذكرنا أننا بشر. هي لا تسلب منا الهيبة بل تعيدها إلى حجمها الطبيعي. في زمن تتعدد فيه الأقنعة وتسود فيه اللغة المصطنعة تعد السقطة المجازية أو الحرفية نوعا من التنقية. لحظة نقية لا تقبل التزوير. لحظة آه هذا يحدث حتى لهم.
وفي المحصلة سواء كنت نائب رئيس أو مشجع عادي سواء كنت تمسك بكأس بطولة أو فنجان قهوة هناك لحظة ما ستقع فيها الأشياء من يدك. وعندما يحدث ذلك لا تحاول إخفاء الأمر. فقط التقطها ابتسم وقل ما معناه حسنا... على الأقل