منحت منظمة الألكسو حاكم الشارقة جائزةً ثقافيةً عربيةً تقديراً لجهوده في دعم الثقافة العربية
ي إطار تكريم الشخصيات العربية التي أسهمت بإنجازاتٍ نوعية في الحقل الثقافي، أعلنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) عن منحها جائزتها الثقافية المرموقة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم إمارة الشارقة، تقديرًا لمسيرته الاستثنائية في دعم الثقافة العربية على مدار أكثر من أربعة عقود. هذا التتويج يأتي كحلقةٍ جديدة في سلسلة الاعترافات المحلية والعربية والدولية بجهوده الرائدة في جعل الشارقة منارةً للإشعاع الحضاري، ومحورًا للحراك الفكري الذي يتجاوز الحدود الجغرافية ليرسّخ مكانة الثقافة العربية في المشهد العالمي.
تميزت رؤية حاكم الشارقة الثقافية بالشمولية والعمق، حيث تجاوزت مفهوم الرعاية التقليدية إلى تأسيس نموذجٍ تنموي متكامل يجعل من الثقافة ركيزةً أساسيةً في بناء المجتمع. فلم تكن مكتبات الشارقة الضخمة - التي تضم ملايين العناوين - مجرد أبنيةٍ تحتوي الكتب، بل تحولت إلى فضاءاتٍ حيةٍ للحوار والنقاش، تلتقي فيها العقول وتتناغم فيها الأفكار. كما أن متاحف الإمارة المتخصصة - التي تزيد على العشرين متحفًا - لم تقتصر على عرض المقتنيات، بل أصبحت مراكز بحثيةٍ تساهم في إعادة قراءة التاريخ العربي والإسلامي برؤيةٍ
على صعيد دعم حركة النشر والترجمة، تميزت إمارة الشارقة بتبنيها مشاريعَ غير مسبوقة، كان أبرزها "مشروع كلمة للترجمة" الذي نقل مئات الأعمال العالمية إلى العربية، و"منشورات القاسمي" التي أتاحت للمفكرين العرب نشر إنتاجهم الفكري بأعلى المعايير. كما أن معرض الشارقة الدولي للكتاب - الذي يعدّ اليوم من أكبر الفعاليات الثقافية في العالم - لم يتحول فقط إلى سوقٍ للكتاب، بل أصبح منصةً لالتقاء الحضارات، حيث يلتقي فيه سنويًا مئات الناشرين والمؤلفين من مختلف القارات. هذه الجهود المتواصلة جعلت من الإمارة وجهةً للمثقفين والباحثين، وهو ما تجلى في اختيارها "عاصمة عالمية للكتاب" من قبل اليونسكو، وهو اللقب الذي لم تحظَ به أي مدينة عربية أخرى من قبل.
في الجانب الأكاديمي، أسهمت سياسة حاكم الشارقة في إحداث نقلةٍ نوعية، حيث حرص على تأسيس جامعاتٍ تواكب أحدث المعايير العالمية مع الحفاظ على الهوية العربية، مثل جامعة الشارقة التي تضم كلياتٍ متخصصة في التراث العربي، والجامعة الأمريكية في الشارقة التي تمزج بين المناهج الحديثة والقيم الشرقية.
على المستوى الشخصي، يُمثل حاكم الشارقة نموذجًا فريدًا للقائد المثقف الذي يجمع بين الممارسة السياسية والإنتاج الفكري. فإلى جانب مهامه الحكومية، يُعد سموه مؤرخًا مرموقًا قدّم أعمالًا علميةً رصينةً مثل "العلاقات الدولية في الخليج العربي" و"قس بن ساعدة الإيادي"، كما أن مسرحياته التاريخية التي تجاوزت العشرين عملًا تُدرس في عددٍ من الجامعات. هذا الجمع بين القيادة والإبداع أعطى لمشروعه الثقافي مصداقيةً خاصة، وجعله قدوةً للشباب العربي في أهمية الجمع بين العمل العام والاهتمام بالفكر.
التكريم الذي منحته الألكسو ليس مجرد شهادة تقدير، بل هو اعترافٌ بدورٍ استثنائي تجاوز الحدود الإقليمية. فتحت قيادة سموه، أصبحت الشارقة حاضنةً للمشاريع الثقافية الكبرى مثل "معهد الشارقة للتراث" الذي يوثق التراث العربي غير المادي، و"مهرجان الشارقة للشعر العربي" الذي أعاد إحياء هذا الفن الأصيل. كما أن
في عصر العولمة الثقافية والتحديات الرقمية، تبرز تجربة الشارقة كدليلٍ عملي على إمكانية الحفاظ على الهوية مع الانفتاح على العالم. فالمكتبات الرقمية التي أطلقتها الإمارة، والمحتوى المعرفي الذي تنتجه مؤسساتها، يؤكد أن الثقافة العربية قادرةٌ على التواجد بقوةٍ في الفضاء الافتراضي. هذا النموذج التنموي الفريد - الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة - يستحق الدراسة من قبل جميع الدول العربية الساعية للحفاظ على تراثها في ظل المتغيرات المتسارعة.
ختامًا، فإن تكريم الألكسو لحاكم الشارقة يمثل إشارةً واضحةً إلى أن الاستثمار في الثقافة هو استثمارٌ في المستقبل. فالمشاريع التي أطلقها سموه لم تثرِ المكتبات العربية فقط، بل ساهمت في تشكيل وعيٍ عربيٍ جديدٍ قادرٍ على التفاعل مع العالم دون انبهارٍ أو انكفاء. هذه الرؤية الاستشرافية تجعل من الجائزة محطةً في مسيرةٍ طويلةٍ من العطاء، وتذكيرًا بدور الثقافة كسلاحٍ استراتيجي في معركة الوجود