انطلاق مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بمشاركة 30 دولة.
انعقد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته الجديدة وسط أجواء من الحماس والإبداع، حيث شهدت الواجهة النيلية للمدينة التاريخية توافدًا غير مسبوق للسينمائيين والنقاد والجمهور من مختلف أنحاء القارة، في مشهد يختزل روح التضامن الأفريقي عبر عدسة الفن السابع. جاءت هذه الدورة استثنائية بحجم المشاركات التي قاربت الثلاثين دولة، وبالتنوع اللافت في المواضيع والأساليب الفنية التي قدمتها الأفلام المعروضة، مما أضفى على الفعاليات ثراءً ثقافيًا تجاوز التوقعات.
لقد تحولت قاعات العرض المنتشرة بين المعابد الفرعونية والمباني التاريخية إلى فضاءات حوار بين الماضي والحاضر، حيث بدت اللوحات السينمائية المعروضة وكأنها تستمد جزءًا من بهائها من عراقة المكان. لم تكن مجرد عروض أفلام تقليدية، بل كانت احتفالية كبرى بالهوية الأفريقية بمختلف تشعباتها، فمن أفلام المغرب التي مزجت بين الحداثة والتقاليد، إلى أعمال جنوب أفريقيا التي كشفت عن تعقيدات المجتمع ما بعد الفصل العنصري، مرورًا بإنتاجات غرب أفريقيا التي برعت في سرد الحكايات الشعبية بلغة بصرية أخاذة.
في هذا السياق، برزت ورش
أما على الصعيد الجماهيري، فقد لوحظ إقبال غير مسبوق من شباب المحافظات الجنوبية الذين قطعوا مئات الكيلومترات لحضور العروض، في مؤشر واضح على الجوع الثقافي الموجود خارج العاصمة. تحولت ساحات دار الأوبرا المفتوحة إلى صالونات فنية عفوية، حيث تبادل الحضور آراءهم حول الأفلام بمزيج من الحماس والتحليل النقدي البناء. كثيرون أعربوا عن دهشتهم لاكتشافهم تشابهًا كبيرًا بين همومهم اليومية وتلك المعروضة في أفلام قادمة من دول تبدو جغرافيًا بعيدة، لكنها تقترب روحًا وإحساسًا.
لم تقتصر آثار المهرجان على الجانب الفني فحسب، بل امتدت إلى تعزيز الاقتصاد المحلي بشكل ملحوظ. شهدت الفنادق والمطاعم والمحال الحرفية إقبالًا كبيرًا من الوفود الأفريقية التي استغلت فرصة الزيارة للتعرف على التراث الحضاري للمدينة. تحولت الأمسيات ما بعد العروض إلى سهرات عابرة للحدود، تتعانق فيها الألحان المصرية مع إيقاعات أفريقية متنوعة، في لوحة إنسانية نادرة.
على المستوى الإعلامي، حظي المهرجان بتغطية غير مسبوقة من قنوات التلفزة الأفريقية والعربية، حيث سلطت الضوء على قدرة الحدث على توحيد الرؤى الفنية رغم اختلاف اللغات واللهجات. كثير من التقارير أشارت إلى أن دورة هذا العام تميزت بجرأة غير معهودة في معالجة قضايا كانت تعتبر من المحظورات الاجتماعية في العديد من المجتمعات الأفريقية، كقضايا الهجرة غير الشرعية والعنف القبلي والصراع بين الأجيال.
في الخلفية من هذا الزخم، عمل المنظمون بلا كلل لضمان سير الفعاليات بسلاسة، مستفيدين من تراكم خبرات الدورات السابقة. نظام الحجز الإلكتروني الجديد ساهم في تنظيم تدفق الجمهور، بينما وفرت التطبيقات الذكية معلومات
تبقى الإشارة إلى أن المهرجان قد نجح هذا العام في كسر الحاجز النفسي بين السينما الأفريقية والجمهور المصري، الذي بدأ يدرك تدريجيًا أن أفلام القارة ليست مجرد أعمال هامشية، بل إبداعات قادرة على المنافسة في الساحة الدولية. هذا التحول في التصورات يعد إنجازًا لا يقل أهمية عن الجوائز المادية التي حصلت عليها أفضل الأعمال المشاركة.
ختامًا، يمكن القول إن الدورة الحالية لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية قد تجاوزت مفهوم الحدث السينمائي المحلي لتصبح منصة حقيقية للحوار الحضاري. النجاح الكبير الذي حققته يضع مسؤولية أكبر على عاتق المنظمين في السنوات القادمة للحفاظ على هذه الزخمة وتطويرها، سواء عبر توسيع قاعدة المشاركة أو تعميق الشق الأكاديمي أو تعزيز آفاق التوزيع المشترك للأفلام. الأقصر، بكل ما تحمله من رمزية تاريخية، تثبت مرة أخرى أنها قادرة على استضافة مشروع ثقافي ضخم يليق بعراقة مصر