العثور على جين إنسان نياندرتال في البشر منذ 50 ألف عام

لمحة نيوز

العثور على جين إنسان نياندرتال في البشر المعاصرين: اكتشاف يُعيد رسم خريطة التاريخ البشري

في كشف علمي مذهل يُعيد تشكيل فهمنا لتاريخ الإنسان، أعلن فريق من الباحثين في علم الوراثة عن العثور على جين موروث من إنسان نياندرتال لا يزال موجوداً في الحمض النووي لبعض البشر المعاصرين. ويُقدّر عمر هذا الجين بنحو 50 ألف عام، ما يؤكد فرضية التزاوج والتداخل الوراثي بين الإنسان العاقل (Homo sapiens) وإنسان نياندرتال الذي انقرض قبل نحو 40 ألف عام.

هذا الاكتشاف ليس مجرد معلومة طبية أو وراثية، بل هو مفتاح لفهم عمق التفاعل بين أنواع البشر القديمة، وتأثير ذلك على الصحة والسلوك وحتى قابلية الإصابة بأمراض معينة في العصر الحديث.

الجين الموروث: ما هو؟

حدد الباحثون الجين المعروف باسم "DLX5/6-N-Haplotype"، وهو مجموعة من الطفرات الجينية التي ترتبط بوظائف الدماغ وتطور الوجه. ووفقاً للدراسة المنشورة في مجلة Science Advances، فإن هذا الجين قد يكون لعب دوراً في تطور قدرات التواصل، وربما حتى التأثير في السلوكيات الاجتماعية للبشر الأوائل.

وبحسب الباحثين، فإن هذا الجين لا يظهر عند كل البشر، بل يوجد بنسب متفاوتة بين المجموعات السكانية، ويظهر بشكل أوضح لدى سكان أوروبا وآسيا، ما يُشير إلى أن التزاوج بين النياندرتال والإنسان العاقل قد حدث في تلك المناطق الجغرافية بعد الهجرة من إفريقيا.

نياندرتال: ذلك القريب المنقرض

إنسان نياندرتال هو نوع بشري منقرض عاش في أوروبا وأجزاء من غرب آسيا لآلاف السنين. ورغم الصور النمطية التي تربطه بالبدائية أو العدوانية، فإن الدراسات الحديثة أثبتت أن النياندرتال كانوا يتمتعون بذكاء عالٍ، ويمارسون الطقوس الدينية، ويصنعون الأدوات المعقدة، بل ويعتنون بمرضاهم.

وقد اكتُشف في السنوات الأخيرة أن النياندرتال لم يختفِ فجأة، بل اختلط وراثياً مع الإنسان العاقل الذي خرج من إفريقيا قبل نحو 60 ألف عام. وتشير التقديرات إلى أن نحو 1 إلى 2 في المئة من الجينوم لدى بعض السكان غير الأفارقة يعود إلى النياندرتال.

الجانب المثير: تأثير الجين على الصحة العقلية

المثير في هذا الجين المكتشف حديثاً ليس فقط كونه دليلاً على التزاوج بين النوعين،

بل لارتباطه الواضح ببعض السمات العصبية والسلوكية. فقد ربطت دراسات عدة الجين DLX5/6-N-Haplotype بزيادة النشاط في مناطق معينة من الدماغ، واحتمال ارتفاع قابلية التعبير العاطفي والاجتماعي.

لكن للوجه الآخر من الاكتشاف دلالات طبية معقدة؛ فقد أظهرت الأبحاث أن هذا الجين قد يكون مرتبطاً أيضاً بزيادة خطر الإصابة بأمراض عصبية مثل التوحد أو الفصام، نظراً لتأثيره على نمو الأعصاب وتنظيم السلوك. وهو ما يفتح الباب أمام دراسات جديدة لفهم العلاقة بين الوراثة القديمة والأمراض الحديثة.

ما الذي يعنيه هذا للبشر اليوم؟

العثور على هذا الجين في البشر المعاصرين يسلط الضوء على أننا لسنا "أنقياء" من الناحية الجينية كما كان يُعتقد سابقاً، بل نحن مزيج من أنواع بشرية تعايشت وتزاوجت وتشاركت الأرض في فترات مختلفة من التاريخ. وهذا الدمج الجيني لم يكن مجرد تفصيل بيولوجي، بل كان له أثر واضح على مسيرة تطور الإنسان.

ويقول د. لوكا باجاني، أحد الباحثين في الدراسة، إن هذا الجين النياندرتالي قد يكون ساهم في تطوير بعض المهارات الاجتماعية التي ميّزت

الإنسان عن غيره من الكائنات، بما في ذلك قدرته على بناء المجتمعات والتعاون في ما بينها.

ثورة في علم الإنسان القديم

يمثّل هذا الاكتشاف حلقة جديدة في سلسلة من الاكتشافات التي غيّرت جذرياً نظرتنا إلى النياندرتال. فقبل عقدين فقط، كان يُنظر إليهم على أنهم نوع بدائي اختفى دون أن يترك أثراً، بينما تُظهر الأبحاث الجينية الحديثة أنهم ما زالوا "يعيشون" داخلنا.

وقد دفعت هذه النتائج العديد من العلماء إلى إعادة النظر في تصنيف النياندرتال كـ "نوع منفصل"، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى اعتبارهم فرعاً بشرياً تفاعَل وتزاوج مع الإنسان العاقل، وساهم في تشكيل هويتنا الجينية والنفسية.

 ما القادم؟

مع تطور أدوات علم الجينوم، من المؤكد أن السنوات القادمة ستحمل المزيد من المفاجآت حول أسلافنا المنقرضين. فكل جين يُكتشف من النياندرتال أو أنواع بشرية أخرى مثل دينيسوفان، هو بمثابة نافذة نطلّ منها على ماضينا البعيد، لنفهم أنفسنا بشكل أفضل في الحاضر.

ويبقى السؤال الكبير: ما مقدار النياندرتال الذي نحمله في داخلنا؟ ليس فقط على مستوى الجينات،

بل ربما على مستوى الطباع والسلوك وحتى الأحلام؟

تم نسخ الرابط