سقوط عربة تلفريك في إيطاليا: فاجعة جبل موتاروني التي صدمت العالم

لمحة نيوز

سقوط عربة تلفريك في إيطاليا: فاجعة جبل موتاروني التي صدمت العالم

في صباح مشمس من أيام الربيع، حين كان كل شيء يوحي بالهدوء والجمال، تحوّلت لحظات المتعة إلى مأساة، حين سقطت عربة تلفريك من على سفح جبل موتاروني شمال إيطاليا، في كارثة راح ضحيتها أربعة عشر شخصًا، معظمهم من عائلات جاءت للاستمتاع بمناظر الطبيعة الخلابة. الحادث الذي وقع في 23 مايو 2021، لم يكن مجرد خلل تقني عابر، بل فضح إهمالًا فادحًا في واحدة من أبرز منظومات النقل الجبلي في البلاد، وأثار حالة من الصدمة والغضب، داخل إيطاليا وخارجها.

تفاصيل الحادث: رحلة قصيرة انتهت بفاجعة

جبل موتاروني، الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 1500 متر فوق سطح البحر، يقع في منطقة بييمونتي شمالي إيطاليا، وهو مقصد سياحي شهير بسبب إطلالاته الساحرة على بحيرة مادجوري. التلفريك الذي يربط بلدة ستريزا بقمة الجبل يستخدم منذ عقود، ويخدم آلاف الزوار سنويًا.

في صباح الحادث، كانت العربة تقل 15 راكبًا بينهم أطفال وعائلات من أصول إيطالية وإسرائيلية، وقد كانت على وشك الوصول إلى قمة الجبل عندما انقطع الكابل الفولاذي الذي يجر العربة. ومع غياب عمل نظام الكبح الطارئ، انزلقت العربة بسرعة جنونية على المنحدر، ثم ارتطمت

بعنف بالأرض قبل أن تتفكك تمامًا.

أُعلن عن وفاة 14 شخصًا في مكان الحادث، فيما نجا طفل واحد فقط يُدعى "إيتان بيرن"، وهو في الخامسة من عمره، بعد إصابته بجروح خطيرة. نُقل إيتان إلى المستشفى، وأجريت له عدة عمليات جراحية، لكنه فقد والديه وشقيقه وجدّيه في الحادث، مما جعله رمزًا مؤلمًا للمأساة، وتحوّلت قصته إلى محط اهتمام عالمي.

التحقيقات: إهمال واستهتار بأرواح البشر

ما صدم الإيطاليين والعالم أجمع هو ما كشفته التحقيقات الأولية: لم يكن الحادث نتيجة حادث عارض أو مفاجئ فحسب، بل تبين أن نظام الكبح الطارئ كان معطلاً عمدًا. المشغّلون قاموا بتعطيل هذا النظام – باستخدام مشابك حديدية تمنع تفعيله – لمنع توقف العربة المتكرر بسبب عطل مزمن في النظام الكهربائي. تلك القرارات الكارثية تم اتخاذها فقط لتجنب تعطيل الرحلات وتأخير الزبائن، دون أي اعتبار لاحتمال وقوع حادث مميت.

تم اعتقال ثلاثة أشخاص مسؤولين عن تشغيل التلفريك، من بينهم مدير الشركة المسؤولة عن التشغيل، ووجهت إليهم تهم القتل غير العمد، والإهمال الجسيم، والتلاعب بمنظومة الأمان.

ردود الفعل: غضب، حزن، ومطالب بالإصلاح

أعلنت الحكومة الإيطالية الحداد الوطني على أرواح الضحايا. وتوالت التصريحات

من المسؤولين، حيث وصف رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي الحادث بأنه "فاجعة لا يمكن تصورها". كما زار مكان الحادث مسؤولون من كافة المستويات، وأكدوا التزامهم بمحاسبة كل من يثبت تورطه.

في مدن عدة، خرج المواطنون في وقفات صامتة حاملين الزهور والشموع، فيما أُطلقت حملات تبرعات واسعة لدعم الطفل الناجي وعائلته الموسعة التي تبنّت رعايته لاحقًا. الصحف الإيطالية والعالمية خصصت تغطيات معمقة للكارثة، وتناولت جوانبها الإنسانية والفنية، وركزت على ضرورة مراجعة نظام السلامة في كافة مرافق النقل المشابهة.

القيمة الإنسانية: ضحايا أبرياء وقصص مأسوية

من بين الضحايا عائلات بأكملها، وأطفال كانوا في نزهة مع ذويهم، ولم يكن يدور ببال أحدهم أن هذه الرحلة قد تكون الأخيرة. أحد الضحايا كان أبًا اصطحب ابنه لقضاء عطلة نهاية الأسبوع بعد عام صعب من الإغلاق بسبب جائحة كورونا. آخرون كانوا يحتفلون بعيد ميلاد، أو عطلة مدرسية. قصص إنسانية تمزج بين الفقد والألم، وتسطر على صفحات التاريخ تفاصيل لا تنسى عن هشاشة الحياة.

أما إيتان، الطفل الناجي، فقد أصبح رمزًا للأمل والحزن في آنٍ واحد. قصة نجاته المعجزة جعلت منه مادة لمئات المقالات والتقارير، وتحولت قضيته لاحقًا

إلى صراع قانوني بين أفراد من عائلته حول حضانته، بعد أن أُخذ إلى إسرائيل من قبل أحد أقربائه دون إذن، ما أثار أزمة دبلوماسية صغيرة بين روما وتل أبيب، قبل أن يُعاد لاحقًا إلى إيطاليا بقرار قضائي.

ما بعد الحادث: إصلاحات وتأملات

بعد الكارثة، أمرت الحكومة الإيطالية بإجراء مراجعة شاملة لجميع أنظمة التلفريك في البلاد، كما تم إغلاق خطوط مشابهة مؤقتًا لإجراء فحوصات دقيقة. وبدأت مناقشات موسعة في البرلمان حول تحديث التشريعات المتعلقة بسلامة النقل الجبلي، بما في ذلك فرض عقوبات أشد على الإهمال المتعمد، وتشديد الرقابة على الشركات المشغلة.

كذلك، طالب المواطنون بإطلاق اسم الضحايا على النصب التذكارية أو مرافق عامة، تكريمًا لهم، وحرصًا على عدم نسيان ما حدث.

خاتمة: بين الجمال والمأساة... دروس لا تُنسى

حادثة سقوط تلفريك جبل موتاروني لم تكن مجرد خلل في آلة، بل خلل في الضمير البشري. لم يسقط الكابل فقط، بل سقطت معه معايير الأمان، والالتزام، والإنسانية. تذكرنا هذه الحادثة أن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا تغني عن الرقابة والضمير الحي.

إنها دعوة للتأمل، وللتحرك، من أجل أن تبقى الأماكن التي نحبها، والتي نقصدها طلبًا للسكينة، آمنة فعلًا،

لا فخاخًا قاتلة مغلفة بالجمال.

تم نسخ الرابط