الصين أوقفت شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة

لمحة نيوز

الصين توقف شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة: تحوّلات جيوسياسية وتداعيات عالمية

مقدمة: قرار استراتيجي يهز سوق الطاقة العالمي

في خطوة تعكس تحوّلًا جذريًا في سياسات الطاقة العالمية، أعلنت الصين — ثاني أكبر اقتصاد في العالم — عن تخفيض حادّ في وارداتها من الغاز الطبيعي المسال (LNG) من الولايات المتحدة، حتى كادت تنعدم بحلول عام 2023. هذا القرار لم يثر تساؤلات حول أمن الطاقة الصيني فحسب، بل ألقى بظلاله على التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية، خاصةً في ظل الحرب التجارية المستمرة بين بكين وواشنطن، والأزمة الأوكرانية التي أعادت تشكيل تحالفات الطاقة العالمية.

1. الخلفية التاريخية: من حرب تجارية إلى حرب طاقة

التصعيد التجاري بين العملاقين

اندلع التوتر بين الصين والولايات المتحدة عام 2018 مع فرض رسوم جمركية متبادلة شملت سلعًا مثل الصلب والألمنيوم، قبل أن تمتد إلى قطاعات حيوية كالتكنولوجيا والطاقة. وفي عام 2022، أدرجت الصين الغاز الطبيعي المسال ضمن قائمة السلع الخاضعة لرسوم جمركية بنسبة 25%، ردًّا على دعم واشنطن لتايوان وتقييدها شركات التكنولوجيا الصينية.

الغزو الروسي لأوكرانيا: نقطة التحوّل

مع فرض العقوبات الغربية على روسيا عقب غزوها أوكرانيا عام 2022، وجدت الصين فرصة ذهبية لتعميق شراكتها

مع موسكو، التي أصبحت مُبعَدة عن الأسواق الأوروبية. وتحولت صفقات الطاقة بين البلدين إلى "ورقة ضغط" استراتيجية، مما دفع بكين إلى تقليل اعتمادها تدريجيًا على الغاز الأمريكي.

2. الأسباب الكامنة وراء القرار الصيني

الاستقلال الجيوسياسي: تقليل الاعتماد على الغرب

تسعى الصين إلى بناء تحالفات طاقة بعيدة عن النفوذ الغربي، خاصة مع تصاعد التوترات حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. وتُعد روسيا — التي زادت صادراتها من الغاز إلى الصين بنسبة 40% عام 2023 — ركيزةً لهذه الاستراتيجية.

المرونة الاقتصادية: صفقات طويلة الأجل مع حلفاء جدد

فضلت الصين التعاقد مع موردين يقدمون شروطًا مالية مرنة، مثل قطر التي وقعت معها عقودًا لتوريد 4 ملايين طن من الغاز سنويًا حتى عام 2040. كما تعتمد على أستراليا، التي تغطي 39% من وارداتها من الغاز المسال بأسعار ثابتة.

الرسوم الجمركية: ضربة للتنافسية الأمريكية

جعلت الرسوم الجمركية البالغة 25% الغاز الأمريكي أكثر تكلفة بنسبة 15% مقارنةً بأسواق آسيا، وفقًا لتحليلات شركة "وود ماكنزي".

3. الأرقام التي تكشف حجم التحوّل

انهيار الواردات الصينية من الولايات المتحدة

2021: 9 مليارات متر مكعب (11% من إجمالي احتياجات الصين).

2022: 3.6 مليار متر مكعب (انخفاض بنسبة 60%).

2023: صفقات رمزية لا تتجاوز

0.5 مليار متر مكعب.

صعود النفوذ الروسي

ارتفعت واردات الصين من الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب إلى 22 مليار متر مكعب عام 2023، بزيادة 40% عن العام السابق، مدعومةً بمشروع "سيلا سيبيريا" (قوة سيبيريا) الذي يربط حقول الغاز الروسية بمدن صينية كبرى.

4. الفحم مقابل الغاز: المعضلة البيئية للصين

رغم التزامها الرسمي بتحييد الكربون بحلول عام 2060، اضطرت الصين إلى زيادة إنتاجها من الفحم بنسبة 4% عام 2023 لتلبية الطلب المحلي، مما أثار انتقادات دولية. ووفقًا لـ "وكالة الطاقة الدولية"، تسهم الصين بنحو 30% من انبعاثات الكربون العالمية، مما يزيد الضغطين السياسي والاقتصادي عليها للعودة إلى الغاز — لكن بتكاليف أعلى.

5. تداعيات القرار على الولايات المتحدة: بين خسارة السوق وانهيار الأسعار

ضربة لصناعة الغاز الصخري

خسرت الولايات المتحدة ثاني أكبر سوق لتصدير الغاز، مما دفع شركات مثل "شينير إنرجي" إلى تحويل 50% من صادراتها إلى أوروبا عام 2023.

انهيار الأسعار وفائض المعروض

انخفض سعر الغاز الأمريكي من 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية عام 2022 إلى 3 دولارات عام 2023، مما هدد أرباح الشركات وأجبر بعضها على تقليص الاستثمارات.

6. تحولات خريطة الطاقة العالمية: أوروبا والهند في المقدمة

الإنقاذ الأوروبي

استحوذت أوروبا على

60% من صادرات الغاز الأمريكي عام 2023، في محاولة لتعويض النقص بعد حظر النفط الروسي.

الصعود الآسيوي

ازدادت واردات الهند من الغاز الأمريكي بنسبة 30%، بينما رفعت اليابان وكوريا الجنوبية مشترياتهما بنسبة 15%، مدفوعةً بانخفاض الأسعار.

7. المخزون الاستراتيجي: سلاح الصين السري

بلغت مخزونات الغاز في الصين 90% من طاقتها التخزينية عام 2023، في إطار خطة طموحة لتأمين الإمدادات خلال فصول الشتاء القاسية أو أي أزمات جيوسياسية مفاجئة. وتشير تقديرات "بلومبرغ" إلى أن الصين تمتلك حاليًا مخزونًا يكفي لتغطية احتياجات 50 يومًا.

8. مستقبل العلاقة: هل تعود الصين إلى الغاز الأمريكي؟

سيناريو التعاون المشروط

قد تعيد بكين فتح باب الاستيراد من واشنطن إذا خُفّضت الرسوم الجمركية، خاصةً مع خطط أمريكية لتوسيع منشآت التصدير بحلول عام 2025.

التحديات البيئية: عامل ضغط دولي

مع تصاعد الدعوات العالمية لخفض الانبعاثات، قد تُضطر الصين إلى تقليل استخدام الفحم، مما يعيدها — رغم التكاليف — إلى سوق الغاز.

الخاتمة: قرار صيني يعيد تشكيل قواعد اللعبة

قرار الصين بوقف شراء الغاز الأمريكي لا يمثل مجرد تحول تجاري، بل هو رسالة سياسية مفادها أن بكين قادرة على إعادة صياغة تحالفات الطاقة العالمية لصالحها. وبينما تكافح الولايات المتحدة لتعويض خسائرها،

تبرز أوروبا والهند كلاعبين جدد في سوق الغاز، مما يؤكد أن أزمات الطاقة ستظل محرّكًا رئيسيًا للتحالفات الدولية في السنوات المقبلة.

تم نسخ الرابط