الأربعاء الأحمر أو رأس السنة الأزيدية و هذه تفاصيل الاحتفال
في تقاطع بين المعتقد والهوية، وبين الأسطورة والتاريخ، يحتفل الإيزيديون في العراق وسوريا ومناطق متفرقة حول العالم بعيدهم الأهم، المعروف بـ الأربعاء الأحمر أو جارشمبا سور باللغة الكردية، والذي يصادف الأربعاء الأول من شهر أبريل/نيسان الشرقي، بحسب تقويم خاص يتأخر عن التقويم الغربي بـ13 يومًا.
يُعتبر هذا اليوم رأس السنة الدينية لدى الإيزيديين، وهو مناسبة مقدسة لها طقوسها الخاصة ورمزيتها العميقة المرتبطة ببداية الحياة وخلق الكون، حيث يخرج الناس بملابسهم الزاهية إلى المراقد والمعابد، ويشاركون في طقوس جماعية تتضمن الصلاة، إشعال القناديل، وزيارة القبور، في أجواء يملؤها الفرح والتقديس.
لماذا يُسمى بـ الأربعاء الأحمر؟
يحمل هذا اليوم تسمية رمزية مرتبطة بأسطورة الخلق الإيزيدية.

إذ يعتقد الإيزيديون أن في هذا اليوم نفخ الرب الروح في جسد آدم، فدبّت فيه الحياة وبدأ الدم يجري في عروقه. ومن هنا جاء اللون الأحمر كرمز للدم، والحياة، والتجدد.
كما يُقال إن شقائق النعمان ازدهرت لأول مرة في صباح هذا الأربعاء، ولذلك يستخدمها الإيزيديون بكثرة في الزينة وتزيين المنازل خلال العيد، ويطلقون عليها اسم زهرة نيسان.
الأربعاء الأحمر.
.. عيد الخليقة والضوء
بحسب المعتقد الإيزيدي، فإن الله أكمل خلق الكون في الأربعاء الأول من نيسان، ولهذا يطلق على هذا اليوم اسم يوم الخليقة.
في هذا السياق، تبدأ الاستعدادات للاحتفال قبل أيام، لكن ذروتها تكون في معبد لالش الواقع شمال غربي قضاء شيخان بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق، والذي يُعد القبلة الروحية لجميع الإيزيديين في العالم.
في صباح العيد، يتجمع الناس في لالش، حيث يقوم الرجال والنساء بـ عصر الزيتون النقي لإشعال 365 قنديلاً، بعدد أيام السنة، في طقس رمزي يعبّر عن النور، الحياة، والاستمرارية. القناديل المضيئة تملأ المكان بهالة روحانية، في حين تُقرع الطبول وترتفع الأناشيد الدينية في أجواء من الفرح والتسبيح.
طقوس رمزية تحمل معاني عميقة
يعتبر الإيزيديون هذا اليوم يوم مبارك ومقدس، وتبدأ الطقوس منذ ساعات الصباح الأولى، حيث يرتدي الجميع أجمل ما لديهم من الملابس التقليدية، وتُزيَّن المنازل بالأنوار وأزهار شقائق النعمان.

من بين الطقوس اللافتة أيضًا ما يتعلق بـ البيض الملون.
إذ يقوم الشبان والشابات بتلوين 12 بيضة مسلوقة، حيث يرمز كل ثلاث بيضات إلى فصل من فصول السنة، وتُوضع البيضات في مركز المنزل
البيض في المعتقد الإيزيدي يمثل كروية الأرض، وسلقه يرمز إلى تجمّد الأرض في الشتاء، أما تلوينه بألوان الربيع فهو تعبير عن ذوبان الجليد وعودة الحياة.

كذلك، يُمنع في هذا اليوم حراثة الأرض، إذ يعتقد الإيزيديون أن الطبيعة في هذا التوقيت تقوم بدورها تلقائيًا، حيث تتفتح الزهور وتبدأ دورة جديدة من الحياة.
زيارات القبور وتوزيع الفاكهة
في صباح الثلاثاء الذي يسبق العيد، يقوم الناس بزيارة قبور موتاهم، حاملين معهم أنواعًا متنوعة من الفاكهة والحلويات، يوزعونها على الأطفال والفقراء، تعبيرًا عن العطاء والذكرى. هذه العادة تمثل لحظة وصل بين الحياة والموت، وتعكس قيم الرحمة والتسامح في المجتمع الإيزيدي.

الامتناع عن الزواج في نيسان
من العادات الراسخة في هذا الشهر أن الإيزيديين يتجنبون الزواج خلال أبريل/نيسان، الذي يُلقب بـ عروس السنة.
فوفق معتقدهم، لا يجوز التزاحم مع شهر خُصص للطبيعة والإخصاب، ويعتقدون أن الزواج فيه قد يجلب النحس أو سوء الطالع.
أربعة أعياد في احتفال واحد
وفق التفسير الإيزيدي، فإن الأربعاء الأحمر يمثل أربعة أعياد متداخلة في رمزية واحدة:
انفجار الذرة البيضاء: من صرخة الرب نشأت العناصر
غليان الأرض: الذي يشبه غليان البيضة بعد أن تجمدت، في إشارة إلى عودة الحياة.

عيد الخليقة: وهو اللحظة التي ضخ فيها الله الدم في آدم.
عيد الخصوبة: حيث تمثل البيضة بداية الكائنات الحية.
هذه الرموز تؤكد على قدسية الحياة والنور، ولهذا تُعد النار عنصرًا مقدسًا في العقيدة الإيزيدية، ليس عبادة للنار كما يتهمهم البعض، بل تقديسًا للنور ورفضًا للظلام.
حضور عالمي رغم التحديات
على الرغم من ما تعرض له الإيزيديون عبر التاريخ من اضطهادات ومحاولات طمس لهويتهم، لا يزالون يحتفلون بـ جارشمبا سور في مناطق متعددة حول العالم، منها العراق، سوريا، تركيا، إيران، وأفغانستان، إضافة إلى أذربيجان وروسيا، فضلًا عن الشتات الإيزيدي في أوروبا، وخصوصًا في ألمانيا.
العيد بالنسبة لهم ليس فقط مناسبة دينية، بل أيضًا تجسيد لهويتهم الثقافية والروحية، ورسالة بأنهم شعب حيّ رغم الجراح.
خاتمة: عيد الحياة والنور
الأربعاء الأحمر ليس مجرد يوم على التقويم، بل هو احتفال بالخلق، بالحياة، وبالضوء. هو طقس جماعي يربط الإنسان بالطبيعة، والمجتمع بالتراث، والروح بالخالق.
في زمن تكثر فيه الصراعات والفرقة، يقدم لنا
هو مناسبة نادرة نحتاج جميعًا إلى التوقف عندها والتأمل في معانيها العميقة.