ناسا تقدم دليل علمي على كيفية تكوّن الماء فوق سطح القمر

لمحة نيوز

ناسا تقدم دليلاً علمياً على كيفية تكوّن الماء فوق سطح القمر: الاكتشاف، الدليل، والآفاق المستقبلية

لطالما كان القمر محط أنظار البشرية منذ فجر الحضارة، ليس فقط باعتباره تابعاً أرضياً يُزيّن السماء، بل أيضاً كموقع طموح لاستكشاف الفضاء والبحث عن موارد محتملة. ومن بين هذه الموارد، يشكل الماء أحد أهم الأهداف نظرًا لأهميته في دعم الحياة، والمساعدة في إنتاج الأوكسجين، وتوفير وقود الصواريخ في المستقبل. لكن السؤال الذي شغل العلماء لعقود هو: هل يوجد ماء على سطح القمر؟ وإن وُجد، فكيف تشكّل؟ ومتى؟ وهل هو مستقر؟

في السنوات الأخيرة، قدمت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" دليلاً علمياً قاطعاً يثبت وجود الماء على سطح القمر، ليس فقط في شكل جليد في المناطق المظللة، بل أيضاً في شكل جزيئات ماء مثبتة كيميائيًا على سطحه المشمس. ومع استمرار الأبحاث، تمكن العلماء من وضع نظرية مدعومة بأدلة قوية حول كيفية تكوّن هذا الماء، وهو ما نناقشه هنا بالتفصيل.

الاكتشاف الأولي: من الشكوك إلى الإثبات

تاريخ الاكتشافات الأولية

في عام 2009، استخدمت ناسا المركبة الفضائية LCROSS (مستكشف الحفر القمري والاستشعار بالأشعة تحت الحمراء) للكشف عن وجود جليد مائي في الفوهات المظللة للقمر، وهي مناطق لا يصلها ضوء الشمس مطلقًا، وتظل درجات حرارتها دون -150 درجة مئوية. أُطلقت مركبة اصطدمت بسطح القمر، وأظهرت التحليلات الطيفية للغبار المتناثر وجود جزيئات ماء.

الانتقال إلى الإثبات السطحي

الخطوة الأكبر جاءت في عام 2020، حين أعلنت ناسا، عبر مرصد SOFIA الجوي (المرصد الفلكي المحمول

على طائرة من طراز بوينغ 747)، عن رصد طيفي لجزيئات H₂O في منطقة مضيئة من القمر، وهي المرة الأولى التي يُثبت فيها وجود الماء بشكل مؤكد خارج الظلال الدائمة.

كيف رُصد الماء؟ التقنيات العلمية المستخدمة

مرصد SOFIA

يتميز مرصد SOFIA بقدرته على رصد الأشعة تحت الحمراء التي لا يمكن للتلسكوبات الأرضية التقاطها بسبب امتصاص بخار الماء في الغلاف الجوي. عبر رصد طيف 6.1 ميكرومتر، استطاع العلماء التمييز بين جزيئات الماء (H₂O) والهيدروكسيل (OH)، وهو ما لم يكن ممكنًا بواسطة بيانات سابقة مثل تلك الخاصة بالمركبة Chandrayaan-1 التابعة للهند.

أدوات طيفية أخرى

- أداة Moon Mineralogy Mapper (M3): أداة طيفية حملتها المركبة الهندية Chandrayaan-1 ساعدت في اكتشاف إشارات تدل على وجود مجموعات OH/H₂O.
- مطياف الأشعة تحت الحمراء الحراري: استخدمته ناسا لتحليل درجات حرارة التربة القمرية ومطابقتها مع إشارات الماء المكتشفة.

ما طبيعة هذا الماء؟

الماء الموجود على القمر لا يتدفق كنهر، بل يوجد بأشكال مختلفة، منها:

1. جليد مائي في الفوهات القطبية المظلمة.
2. جزيئات ماء محتجزة داخل معادن التربة القمرية.
3. ماء مرتبط كيميائيًا بسطح الحبيبات الترابية.
4. جزيئات H₂O حرّة محتجزة بين حبيبات التربة.

المثير للاهتمام أن جزءًا من هذا الماء يظهر ويختفي حسب موقع الشمس، مما يدل على وجود دورة مائية سطحية معقدة، تعتمد على الإشعاع الشمسي ودرجة الحرارة.

كيف يتكوّن الماء على سطح القمر؟

تكوّن الماء على القمر يتطلب توافر الهيدروجين والأوكسجين، لكن في غياب الغلاف الجوي

والماء السائل، فإن العملية تختلف كليًا عما نعرفه على الأرض. وتشير الأدلة العلمية إلى ثلاث آليات رئيسية:

1. القصف الشمسي (الرياح الشمسية)

تضخ الرياح الشمسية – تيار من الجسيمات المشحونة – البروتونات (نوى الهيدروجين) إلى سطح القمر. عندما تصطدم هذه البروتونات بحبيبات التربة القمرية الغنية بالأوكسجين (من السيليكات)، قد تتفاعل لتشكيل جزيئات H₂O أو OH. هذه الآلية مدعومة تجريبيًا من خلال التحاليل الطيفية التي أظهرت وجود OH أكثر في مناطق معرضة للرياح الشمسية.

2. التفاعلات النيزكية

عندما تضرب النيازك الدقيقة سطح القمر، فإنها تُسبب درجات حرارة عالية تؤدي إلى تفاعلات حرارية بين مكونات التربة والغازات، ما يتيح تشكيل جزيئات ماء. كما أن بعض هذه النيازك قد تجلب معها الماء من الفضاء الخارجي.

3. التكوين الداخلي (مصدر بركاني قديم)

تشير بعض العينات التي أُحضرت من بعثات "أبولو" إلى وجود ماء داخل الزجاج البركاني، ما يدل على أن الماء قد يكون موجودًا في باطن القمر وتمت قذفه إلى السطح عبر الانفجارات البركانية في العصور الغابرة.

ما الذي يميز الدليل الجديد من ناسا؟

ما قدّمته ناسا مؤخرًا ليس مجرد تأكيد لوجود الماء، بل:

- تمييز طيفي دقيق بين OH و H₂O.
- تحديد موقع الماء في مناطق مضيئة، ما يوسع نطاق التوزيع الجغرافي للماء القمري.
- دراسة دور الحرارة والضوء في الحفاظ على هذا الماء أو تدميره.
- اقتراح نموذج ديناميكي يُظهر أن الماء ليس ثابتًا، بل يتغير تبعًا للظروف البيئية.

هذا يفتح المجال لفهم "دورة ماء قمري" - مصغرة - ترتبط بتناوب النهار

والليل القمري، أي ما يعادل 29.5 يومًا أرضيًا.

ما أهمية هذا الاكتشاف للمستقبل؟

1. دعم البعثات البشرية إلى القمر

مع برنامج "أرتميس" التابع لناسا، والذي يهدف إلى إعادة البشر إلى القمر بحلول نهاية هذا العقد، فإن وجود الماء يعني إمكانية:

- استخراج ماء الشرب.
- إنتاج أوكسجين للتنفس.
- تحليل الماء إلى هيدروجين وأوكسجين لتوليد وقود للصواريخ.

2. إنشاء قواعد دائمة على سطح القمر

إذا تم تأكيد وجود كميات كبيرة من الماء، فقد تصبح مناطق مثل القطب الجنوبي القمري موقعًا مثالياً لإنشاء مستوطنات بشرية طويلة الأمد.

3. البوابة إلى المريخ

استخدام القمر كمحطة انطلاق إلى كواكب أخرى، وخاصة المريخ، سيكون أسهل وأقل تكلفة إذا توفرت الموارد الأساسية مثل الماء والوقود على سطحه.

التحديات المستقبلية

رغم هذا التقدم، ما تزال هناك أسئلة جوهرية تحتاج إلى إجابة:

- ما كمية الماء الحقيقية الموجودة؟
- كيف نحمي الماء من التسرب أو التبخر في ظروف قمرية قاسية؟
- ما هي أفضل الطرق لاستخراج الماء دون تدمير البيئة القمرية؟
- هل توجد تفاعلات كيميائية غير مكتشفة حتى الآن تساهم في توليد أو استهلاك الماء؟

من اكتشاف إشارات أولية غامضة إلى تقديم دليل علمي راسخ، قطعت ناسا والعالم شوطًا طويلًا في فهم وجود وتكوّن الماء على القمر. هذا الإنجاز لا يفتح فقط فصلاً جديدًا في علم الفضاء، بل يمهد أيضًا الطريق أمام مستقبل بشري مستدام خارج كوكب الأرض.

يمثل الماء القمري موردًا لا يُقدّر بثمن في الجهود المستقبلية لاستكشاف النظام الشمسي. وإذا استمر التقدم بالوتيرة الحالية،

فقد نرى في القريب العاجل قواعد مأهولة على سطح القمر تعتمد على ماءه المستخرج محليًا، ليكون القمر حقًا، لا مجازًا، بوابة البشرية إلى النجوم.

تم نسخ الرابط